Search

ذو القرنين ، محاولة لقراءة التاريخ من خلال النص القرآني Thul Quarnain a historical approach to under



Thul Quarnain

a historical approach to understand Quran verses


د.عباس محمد طه الصديق

كلية الحقوق

جامعة السلطان قابوس


مقدمة:

البحث في الحقائق التاريخية، ليس ترفاً ذهنياً، وإنما هو عمل يهدف إلى خدمة المستقبل عن طريق قراءة الماضي. فقد قال تعالى: “لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ ۗ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَىٰ وَلَٰكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (111)“(سورة يوسف: 111).

المصادر التاريخية التقليدية بغض النظر عن موثوقيتها عن الحقائق التاريخية يكتنفها تضارب شديد، الأمر الذي ألقى بظلال من الشك على جودة ما يؤسس على حقائق تلك المصادر من نتائج. من هنا برزت مشكلة البحث عن مصدر أساس موثوق به. فعلى الرغم من أن الدراسة قد انطلقت من القرآن كمصدر أصلى لتلك الحقائق، إلا أنها اصطدمت بعدد من المشكلات الفرعية المتمثلة في تفسير هذا المصدر خاصة فيما يتعلق بتحديد الحقب التاريخية المختلفة، وأيضاً تحديد مفاهيم التعاصر والتعاقب واخيرا الكشف عن علاقة الحقائق التاريخية بالجغرافية.

الدراسات السابقة في هذا الموضوع كثيرة خاصة ما يتعلق منها بالطوفان ونتائجه ومخلفاته، ولكن تلك الدراسات أغلبها ركّز على فترة ما بعد الطوفان، من حيث الزمن، وركّز على نوح عليه السلام والمؤمنين معه والسفينة التي أقلتهم أكثر من تركيزه على الطوفان نفسه. فهذه الدراسة ركزت على عنصرين جديدين هما اللذان جعلاها مختلفة عما سبقها من دراسات. الأول: الربط بين ذي القرنين ونوح عليه السلام. الثاني: التركيز على الطوفان نفسه ومن ثم مخلفاته. وعلى الرغم من ذلك فقد استفادت الدراسة من كل تلك الدراسات في الوصول إلى ما توصلت إليه من نتائج.

اتبعت هذه الدراسة المنهج الاستقرائي المتمثل في استقراء النصوص القرآنية والنصوص في الأدبيات الأخرى المتعلقة بحدث تاريخي معين ثم تحليلها وصولاً إلى التركيب المنطقي للقصة التاريخية ثم مقارنتها مع أكثر ما يقاربها من التفسيرات الأخري ثم ترجيح ما تتوصل إليه الدراسة بالأدلة المتاحة، عقلية كانت أو نقلية.

فباتباع هذا المنهج حاولت الدراسة الإجابة على التساؤلات الآتية :

من هو ذو القرنين ؟ ومتى عاش ؟ وما هي علاقته بنوح عليه السلام؟

كيف كانت جغرافية الأرض في زمن ذي القرنين؟ ما هي أبرز ملامح حياة ذي القرنين وقومه؟

متى نشأت صناعة السفن في التاريخ الإنساني؟ وما هي الآية التي تركها الله من طوفان نوح عليه السلام؟

ما هي العبر والدروس التي يمكن أن تستفيدها البشرية من معرفة الحقائق التاريخية المتعلقة بنوح عليه السلام قبل الطوفان؟ وما هو أثر ذلك على المعرفة الإنسانية؟

ناقشت الدراسة هذه الاسئلة من خلال الخطة الآتية :

من هو ذو القرنين؟

جغرافية الأرض قبل الطوفان

إدارة الكارثة أثناء الطوفان

انتهاء كارثة الطوفان

الأدلة الأخرى على وحدة شخصية ذي القرنين ونوح عليه السلام

خاتمة اشتملت على أهم النتائج والدروس المستفادة.

من هو ذو القرنين؟

القرن في الأصل هو الربط بين الشيئين، ويطلق على الزمان لأن الزمان يربط بين السابق واللاحق في مبدئه ومنتهاه، وجعل مصطلحاً لقياس الزمن مدته مائة سنة، إذ انها غاية الحد في تغيّر الأشياء. (ابن منظور، ١٤١٤: 12/88).

فذو القرنين، اسم يشعر بأن صاحبه يشتهر بصفته التي يشير إليها ذلك الاسم أكثر من اسمه الحقيقي (العلم). وأمثلة ذلك من القرآن تسميته الله سبحانه وتعالى نفسه جلّ شأنه بذي الجلال والإكرام، كما جاء في قوله تعالى: " تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (78)" (سورة الرحمن: 78). وقد سمى القرآن الكريم النبي يونس عليه السلام بذي النون في قوله تعالى: " وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَىٰ فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87)" (سورة الأنبياء: 87). وأيضاً اُعطيّ سيدنا عثمان رضي الله عنه لقب ذي النورين لحظوته بزواج بنتي رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكذلك تسمية الرسول صلى الله عليه وسلم أسماء بنت إبي بكر رضي الله عنهما بذات النطاقين لكونها شقت نطاقها نصفين لتتخمر بنصفه ولتربط بنصفه الآخر سفرة الطعام الذي نقلته إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وأبيها رضي الله عنه وهما في الغار يوم الهجرة. (الحميري،1990 :1/476) والعرب عموماً تستخدم هذه الصيغة كلقب أو كأسم. فهي تستخدم لقباً لمن كان فعلاً له علاقة بما جاء بعد (ذي)، وتستخدم اسماً من باب التيمن بتلك الصفة ورجاء اتصاف المولود بها.

فذو القرنين، لأجل ذلك هو ذو الزمانين أو ذو العصرين، فهو نبي الله نوح عليه السلام الذي عاصر آخر الذرية التي تناسلت من آدم عليه السلام مباشرة وعاش زمانها كان نبيها ومصطفاها، وعاش كذلك زمان ما بعد الطوفان مبتدئاً ذرية جديدة تنسب إليه بإعتباره أب مباشر لها وقبل ذلك هو ربان فلكها ونبيها ومصطفاها. فهو نبي القرن الأول قبل الطوفان ونبي القرن الذي تلى الطوفان مباشرة والذي هو، كما سيجيء عند تناول الأدلة الأخرى على وحدة شخصية ذي القرنين ونوح، أول القرون التي يشير إليها المولى عز وجل في قوله: " أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِم مِّدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ (6)" (سورة الأنعام: 6).

الناس على الأرض في الزمان الأول لنوح عليه السلام، أي زمن ما قبل الطوفان، كانوا أمة واحدة؛ إذ أن القرآن لم يخبرنا أن قبل سيدنا نوح عليه السلام كان هناك نبي مرسل. وكذلك باستقراء آيات القرآن يتضح أن قوم نوح عليه السلام لم يكونوا يتبعون نبياً قبله غير آدم عليه السلام ولا يعرفون مرسلين غير الملائكة؛ وهذا، فضلاً عن الاستقراء، ظاهر من قوله تعالى : “كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ ۚ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ۖ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ ۗ وَاللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (213)” (سورة البقرة : 213). فهذه الآية تدل على أن النبي الأول الذي أرسل بعد آدم أرسل إلى أمة واحدة لا فواصل زمنية أو جغرافية أو ثقافية بينها. أي أنهم يعيشون ذات العصر من الزمان وإن طال، ويعيشون في رقعة جغرافية واحدة لا تفصل بينها حدود طبيعية أو سياسية، ويتقاسمون ذات الأفكار والمفاهيم واللغة وطريقة العيش. أما كونهم لا يعرفون المرسلين من غير الملائكة، فظاهر في قوله تعالى: " وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ (23) فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاء اللَّهُ لَأَنزَلَ مَلائِكَةً مَّا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الأَوَّلِينَ (24)" (سورة المؤمنون: 23-24). وما يزيد هذا الاستنتاج الأخير وضوحاً أنّ القوم كانوا يعرفون الله والملائكة ووظيفتهم الأمر الذي يشير إلى وحدتهم الفكرية خاصة فيما يتعلق بالكفر بالله عز وجل واتصالهم التاريخي باسلافهم الذي بنوا على أساسه منطق المفارقة القياسية في جدليتهم لحث الناس على عدم اتباع نوح عليه السلام وما جاء به. فيدل ذلك بوضوح على أنّ الزمان منذ آدم عليه السلام وحتى الطوفان هو زمان واحد مما يصح أن يطلق عليه قرن في معنى العصر، أو على الأقل يطلق عليه قرن لارتباط أوله المبدوء بآدم عليه السلام، بآخره المختوم بنوح عليه السلام.

فزمان سيدنا نوح عليه السلام قبل الطوفان، هو الزمن الذي سأل فرعون عنه موسى عليه السلام بما حكاه الله عز وجل عنه في قوله: “ قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَىٰ (51)قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ ۖ لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى (52) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّن نَّبَاتٍ شَتَّىٰ (53) كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّأُولِي النُّهَىٰ (54) ”(سورة طه: 51-54). فهنا يشير القرآن بوضوح إلى أن العلم بحال القرون الأولى لا يتأتى إلا بتعليم الله، وأحد مصادر ذلك هو القرآن. فما يظهر من هذه الآيات أن نوحاً هو النبي الوحيد الذي أرسل منذراً لآخر القرون الأولى ومبشراً لمن ركب معه في الفلك من المؤمنين وعاشوا معه بعد الطوفان. إذن هو الرابط وحلقة الوصل بين القرون الأولى القرون الحالية.

ولا أجد ما يسند أن إدريس عليه السلام هو النبي الثاني بعد آدم عليه السلام وقبل نوح عليه السلام؛ والدليل على ذلك أنّ ذكره عليه السلام جاء مرتان في القرآن الكريم. مرة في سورة مريم الآية (٥٦): “وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ ۚ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا (56) وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا (57)” (سورة مريم: 56-57)، والآية (٨٥) في سورة الأنبياء: “وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ ۖ كُلٌّ مِّنَ الصَّابِرِينَ (85)” (سورة الأنبياء: 85). فليس في هاتين الآيتين ما يدل من قريب أو بعيد أن إدريس عليه السلام كان ترتيبه بعد آدم عليه السلام وقبل نوح عليه السلام. بل أن آية سورة الأنبياء يمكن أن تنتصب دليلاً على أنه أتى بعد إسماعيل وقبل ذو الكفل.

جغرافية الأرض قبل الطوفان:

الأرض قبل الطوفان لم تكن بها محيطات مثل المحيط الهادي والمحيط الهندي وغيرها، وكذلك لم تكن بها بحار مثل البحر الأبيض المتوسط والبحر الأحمر وغيرها. كانت الأرض عبارة عن وحدة جغرافية واحدة؛ وهذا ما أشرنا إليه قبل قليل عند الكلام عن وحدة البشرية الأولى، والذي دلت عليه الآية (٢١٣) سورة البقرة. فحال الارض قبل الطوفان، أيضاً، يمكن أن يؤخد من سورة نوح إذ جاء في الآيتين (١٩) و (٢٠) قوله تعالى: “وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا (19) لِّتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا (20) “ (سورة نوح: 19-20). فعلى الرغم من أن هذه الآية قد تشتبه لدى البعض بالآية (٥٣) من سورة طه، التي أشرنا إليها أعلاه، إلا أنّ آية سورة طه تتكلم عن أرض مصر، بعد الطوفان، التي مهدت للفراعنة وسلكت لهم فيها السبل. أما آية سورة نوح فتتكلم عن كل كوكب الأرض الذي انتشر البشر في كل أرجائه قبل الطوفان، كما سنرى بعد قليل، فناسب ذلك الاتساع أن يقول جلّ شأنه: “جعل لكم الأرض بساطا* لتسلكوا منها سبلاً فجاجاً”. فمهد تعني (هيأ)، أما بسط فتعني (مدّ) الأمر بإزالة العقبات (الفيروزأبادي،2005، 1/998). فالأول يناسب المحدود أما الثاني فيناسب المطلق؛ لذلك كانت آية سورة طه خاصة بأرض مصر، أما آية نوح فهي عامة تصف كل كوكب الأرض. ومن ناحية أخرى، فإن المُمَهد هو مما تتحقق الغاية من تمهيده دون تدخل من المُمَهد له؛ ولذلك سمي فراش الطفل مهداً لأنه لا يقوم بشيء لضمان راحته وسلامته على ذلك المهد فكل المسؤولية في ذلك على الأم؛ وعليه تكون الأرض الممهدة هي الأرض التي لا عوائق مائية أو خلافها مما يقطّع أوصالها ويمنع الناس من الضرب في أرجائها. أما البسط والمد ففي كلاهما يحتاج الباسط والمادد إلى أن يقابله المبسوط له أو الممدود له في مرحلة ما من الطريق ليتم العمل المبسوط أو الممدود. وإن كان هناك ثمة فرق بين المد والبسط، فيكون في أن البسط يتصور معه وجود العقبات التي تقتضي الإلتفاف أو الانتظار لذلك فهو يناسب عمل اليد، فقد قال تعالى : “وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا (29)” (سورة الإسراء:29). المد يقتضي إزالة كل العقبات حتى تلك التي يمكن تفاديها عن طريق الإلتفاف ولذلك فهو يناسب عمل البصر الذي لا يعمل إلا في خطوط مستقيمة، فقد قال تعالى: “وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ۚ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ (131)“(سورة طه: ١٣١). وعليه فإن الأرض قبل الطوفان كانت بساطاً ممدوداً، وبعد الطوفان صارت الأوصال المقطّعة منها بسبب الطوفان مهدت للبشر بعد نزولهم إليها وأثناء تواجدهم عليها. فهي أيضاً مهدت لهم؛ لأنّهم لم يفعلوا شيئاً ليستمتعوا بيابسة غير مغمورة بالماء المالح، هيأها لهم عز وجل بعد أن حسر قليلاً من ماء الطوفان فجّر لهم عليها العديد من الأنهاروالينابيع العذبة التي تسقي الزرع وتملأ الضرع. وتلك الأرض قبل الطوفان سميت مبسوطة؛ لأنّها كانت مهيأة منذ زمن بعيد، قبل نزول آدم عليها، وقد أصبحت موطناً للعديد من الكائنات الأخرى وبعد نزول آدم لم تكن تحتاج إلا إلى عمله لتصبح معمورة.

فمن أكبر العقبات التي تعوق تحرك البشر بين القارات المختلفة الحواجز المائية من بحار ومحيطات. فهذه الحواجز المائية في عصر فرعون كانت موجودة بدليل أن إغراق فرعون قد تم في البحر (اليم). كما أن البحر ذكر، أيضأ، وجوده في زمن موسى عليه السلام؛ إذ قال تعالى في سورة الكهف: “ أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا (79) “ (الكهف: 79). فهذا يدل على أن المسطحات المائية الكبيرة كانت موجودة خاصة البحر الأبيض المتوسط وهو البحر المعني في هذه الآية.

فهذه المسطحات المائية الكبيرة، هي أمر طرأ على الأرض ولم يكن معروفاً عندما هبط فيها آدم عليه السلام. بل جفّت الأرض، في آخر أيام دعوة سيدنا نوح عليه السلام، قبل الطوفان حتى من العيون الجارية (الأنهار) ولم يتبقي فيها إلا عيون الماء التي تكفي بالكاد للشرب. فقد قال جل شأنه: “فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا (11) وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا (12) مَّا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (13)” (سورة نوح: 10-13). فما يظهر من هذه الآيات أن قوم نوح لكفرهم واستكبارهم ضرب الله عليهم الفقر في المال والنسل والجدب في الأرض وجفاف الأنهار (العيون الجارية)، فهذا هو ناموس الله في كل من يعرض عن ذكره إذ قال عز وجل: “وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ (124)” (سورة طه: 124)؛ ولو لم يكن ذلك كذلك، لما كان لدعوة سيدنا نوح أية منطقية ولا إغراء لقومه.

ففي سورة المؤمنون يبين الله عز وجل كيف هيأ الأرض للقرون الجديدة ذات الجغرافية المختلفة التي ستنشأ من طريقة أهلاك وتتبير قوم نوح عليه السلام الضالين، فقال تعالى: “فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ ۙ فَاسْلُكْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ ۖ وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا ۖ إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ (27) فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (28) وَقُل رَّبِّ أَنزِلْنِي مُنزَلًا مُّبَارَكًا وَأَنتَ خَيْرُ الْمُنزِلِينَ (29) إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ وَإِن كُنَّا لَمُبْتَلِينَ (30) “ (المؤمنون:27-30). فهذه الآيات تدل على أن نوحاً عليه السلام هو أول من صنع الفلك من بني آدم ؛ وذلك لأن بني آدم لم يكونوا في حاجة إليها إذ لا توجد على الأرض المسطحات المائية التي يمكن أن تسيّر عليها. ويدل على ذلك، من جهة أخرى، قوله تعالى في سورة هود: “وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِّن قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ ۚ قَالَ إِن تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ (38) فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ (39)” (هود: 38،39). الذي يدل على أن هؤلاء القوم المكذبون ما كانوا لا يرون في عمل نوح عليه السلام ومن معه من المؤمنين على العيون التي كانوا يبنون السفن عليها إلا عملاً غير هادف وجنوني. (إبن كثير، 2002: 4/320).

فآيات سورة هود يكشف فيها لنا المولى عز وجل عدد من الحقائق التي تبين لنا حقائق أخرى مهمة تعين في فهم الأرض قبل وبعد الطوفان وهذه الحقائق هي:

أولاً: أنّ نوحاً علّمه الله علم صناعة السفن، وحياً، كما علّم آدم من قبل الأسماء كلها.

ثانياً: أن نوحاً لم يكن يبني سفينة واحدة وإنما كان يبني عدداً من السفن الله أعلم به؛ وذلك لأن الله سماها الفلك ولم يسمها سفينة. والفلك في اللغة اسم جمع لا يطلق على الواحد كشعب وقوم ورهط. (الرازي، ١٩٩٩، ف ل ك).

ثالثاً: سفن سيدنا نوح بنيت على العيون التي لم تجف بعد، والتي كانت تنتشر على كل الأرض؛ إذ أن قوله تعالى “بأعيننا “لا يعني بعنايتنا وحفظنا (القرطبي، 1935: 9/28) وإنما يعني بعيون الماء التي يمكن أن تمثل المكان الأكثر مناسبة من الأرض اليابسة لبناء السفينة. كما أنه من ناحية أخرى، فإنّ بناء السفن في هذه العيون التي هي مصدر الماء الوحيد هو الذي جعلها أمراً واقعاً تحت بصر القوم الساخرين؛ إذ لو كان البناء في الصحراء بعيداً عن العمران لما اطلعوا على ما يصنع نوح عليه السلام، خاصة وأنهم لم يكونوا يعبأون به وبما يفعل كما جاء في قوله تعالى: " قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ (111) قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (112) إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَىٰ رَبِّي ۖ لَوْ تَشْعُرُونَ (113) وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ (114) إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُّبِينٌ (115) قَالُوا لَئِن لَّمْ تَنتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ (116)" (سورة الشعراء: 111-116).

رابعاً: نوح عليه السلام لم يكن يبني السفينة لوحده بل كان يبني معه المؤمنون من قومه؛ إذ يدل ضمير الجمع على ذلك بوضوح في قوله تعالى: “إن تسخروا منّا فإنّا نسخر منكم” (هود: ٣٨) أي أن تسخروا مني وتُتفِّهون وتقللون من شأن ما نقوم به أنا والمؤمنون معي، فسيأتي اليوم الذي سنركب فيه على هذه السفن ونترككم ليكفركم الموج وحينها ستعلمون أنّنا كنّا نصنع أدوات النجاة من العذاب العظيم.

خامساً: أنّ قوم نوح من المؤمنين كانوا يعلمون أنّ نوحاً ينذرهم بعذابين، أحدهما أخروي وهو جهنم التي اعدت للكافرين نزلاً، وآخر دنيوي (الكرب العظيم) وهو الإهلاك إغراقاً الذي لا يدع ديّاراً من الكافرين؛ وهذا هو الذي يظهر بوضوح في قوله تعالى: “فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ (39)” (سورة هود: 39).

سادساً: لم تكن البشرية قبل الطوفان مركّزة في منطقة معينة من الأرض؛ إذ يستنتج ذلك من تكرر فعل السخرية من قوم نوح عليه السلام، فهو لا يكون مؤثراً وأشد نكاية، إلا إذ صدر من قوم مختلفين مكاناً وزماناً. فاختلافهم زماناً لا يحتاج إلى دليل؛ لأنّ صنع السفينة لا يتصوّر تمامه بين يوم وليلة وإنما يأخذ زمناً. أما اختلاف المكان فيؤخذ من تعدد العيون؛ إذ لا يتصور وجود عينان في مكان واحد. كما أنّه من ناحية اخرى، فإنّ هذه السفن وإن كانت ستحمل المؤمنين من البشر، وهم مما يمكن تصوّر وجودهم في مكان واحد، إلا أنّها، أيضاً، من المفترض أن تقل زوجين أثنين من كل حيوانات الأرض. فهذه، الحيوانات، لا يتصور شحنها إلا بأحد سبيلين هما: الأول: تحرك السفن إليها، وهذا مستبعد. أما السبيل الثاني: فهو نقل تلك الحيوانات إلى السفينة من كل أصقاع الأرض. فالأخير مع قربه إلا أنه يتطلب إما كماً هائلاً من البشر يتولون أمر انتقاء واستجلاب هذه الحيوانات أو عدد كبير من السفن موزع حسب مناطق تواجد هذه الحيوانات. فالأول مستبعد؛ لأن المؤمنين كانوا قلة قليلة كما قال تعالى: “ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ (40)” (سورة هود: 40). أما الثاني فهو الذي حدث بالفعل والذي يتفق مع الآية التي تشير بوضوح إلى أن هذه السفن قد بنيت على العيون الموزّعة على جغرافية الأرض، لذا فإنّ المؤمنين في كل منطقة معينة ركبوا في سفينتهم مع أزواج الحيوانات التي توجد في تلك المنطقة.

إدارة الكارثة أثناء الطوفان:

حدد سبحانه وتعالى لنوح عليه السلام ساعة التتبير للقوم الهالكين، وهي ساعة بدء الإنقاذ للقوم المؤمنين، بلحظة يجب عليهم جميعاً أن يترقبوها. ففيها يبدأ كل أمر في اتجاهه المقدّر له. تلك اللحظة هي اللحظة التي أمر نوح عليه السلام أتباعه بأن يصعدوا فيها إلى السفن بعد أن يحمّلوها بأزواج الحيوانات المتوفرة في جغرافيتهم. فأمر نوح لأتباعه لم يأتي مشافهة ولا كتابة ولكنه أتاهم قبل أن يشرعوا في بناء السفن وحددت لهم لحظة صدور الأمر بلحظة وقوع انفجار وجه الأرض بماء فائر، وهي، على ما عتقد يشبه الانفجار البركاني (الطبري،2000: 15/319)، فإن رأوه، فتلك هي ساعة البدء. فقد قال تعالى:“حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ ۚ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ (40) (سورة هود: 40).

توالت الانفجارات، ليست البركانية، وإنما المائية وبدأت السماء تمطر بغزارة وسرعان ما ارتفع مستوى الماء على الأرض وبدأت الرياح بتكوين الأمواج العاتية التي جمّعت السفن من كل أنحاء الأرض ثم استوت جميعها على جادة واحدة يجري بها الموج بأمر ربه. فقد قال جل شأنه في سورة القمر: “فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُّنْهَمِرٍ (11) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَىٰ أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (12) “(القمر:11-12).

سلّم نوح عليه السلام بالأمر الإلهي وأيقن أن لا ناج من هذا الطوفان إلإ من هم على الفلك. فقد غطى الماء كل اليابسة بقممها الشاهقة. وبسبب الموج العالي والسحب التي تُلبِد السماء مع انهمار المطر الغزير منها لم يعد للاتجاهات ولا للزمن معنى لديهم فاستوى نهارهم بليلهم واستوى لديهم مسير سفنهم فوق منطقة سهلية قبل الفيضان أم كانت جبلية، واستوى عندهم أن يكون تجاه سيرهم شمالا أو جنوباً أو غرباً أو شرقاً.

لم يقم نوح عليه السلام ولا الذين معه بأي عمل من نحو تجديف أو إدارة دفة أو غيره وإنما كل الذي قام به نوح عليه السلام كان ثلاثة انشطة هي: أولاً: قال بسم الله مجراها ومرساها. ثانياً: أخذ ينادي ابنه الذي انعزل عنهم ورفض الركوب في السفينة. وهذا هو ما ورد في سورة هود إذ قال تعالى: “وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا ۚ إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ (41) وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَىٰ نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلَا تَكُن مَّعَ الْكَافِرِينَ (42)” (هود: 41-42). وثالثاً: دعا الله أن ينجي ابنه من الغرق، ولم يستجب له، إذ قال الله تعالى: “وَنَادَىٰ نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (45)” (سورة هود: 45).

فهنا بأمر الله توقف المطر وتوقفت العيون المنفجرة من الأرض فهدأ الموج وسكن سطح الماء وذلك بانخفاض ارتفاع الموج الذي كان يبلغ آلاف الأمتار. فقد قال تعالى في سورة هود: “وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ ۖ وَقِيلَ بُعْدًا لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (44)” (هود:44)في هذا الوقت استغفر نوح عليه السلام ربه عن طلبه نجاة ابنه وحمد الله الذي أنجاه ومن معه من القوم الظالمين ودعا الله أن ينزله ومن معه منزلاً مباركاً. فقد قال تعالى في سورة هود:” قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ ۖ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُن مِّنَ الْخَاسِرِينَ (47)”(هود: 47). وقال جل شأنه في سورة المؤمنون: “فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (28) وَقُل رَّبِّ أَنزِلْنِي مُنزَلًا مُّبَارَكًا وَأَنتَ خَيْرُ الْمُنزِلِينَ (29)” (المؤمنون: 29).

وحري بالبيان هنا أنّ الاستواء في سورة هود لا يعني الرسو؛ وذلك لأن الله جل شأنه أورد وصف ذات الحالة، اي حالة الاستواء، بما يشير بوضوح إلى أنها تعني الاستقرار، فيكون معنى قوله تعالى في آية سورة المؤمنون: “فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك”، إذا استقر بكم المقام انت ومن معك من بشر وحيوانات في السفن. وبدلالة هذه الآية يكون معنى قوله تعالى في آية سورة هود: “وقضي الأمر واستوت على الجودي”، ونفذ أمر الله بإغراق القوم الكافرين واستقرت سفنكم فوق سطح الماء لا تعاني أي اضطراب موج أو دوامات تحرفها عن الجودي أي المسار المستقيم أي الجادة. وحري بالبيان أنّ هذا خلافاً لما ذهب إليه بعض المفسرين رحمهم الله (ابن عاشور، 1984: 19/47).

ففي تفسير الجودي بأنّه جبل اجتهاد فيه كثير من التكلّف (الطبري، 2000: 15/335)؛ إذ أنّ الكارثة لم تنتهي بعد، فلا يكون من المتسق أن ترسو السفن قبل نهاية الكارثة وسبب الكارثة، وهو الماء، لم ينحسر بعد. وقد تحدّث الله سبحانه وتعالى عن رسو السفن وهبوط نوح عليه السلام، فلماذا استعجال الأحداث وتحميل النصوص أكثر مما تحتمل؟ فخلاصة الأمر، أن آية سورة هود، فقط كانت تُعنَى بوصف قمة الكارثة وبدء العد التنازلي لنهايتها، أي تُعنَى فقط بتحديد النقطة الزمانية التي بدأ فيها نهاية الطوفان. ومن المنطقي أن تُعنَى سورة هود بهذا الأمر؛ لأنّ السورة ذاتها هي التي حددت زمان بداية الكارثة، وهي التي ستحدد نهاية الكارثة كما سنبين بعد قليل.

انتهاء كارثة الطوفان:

استغفار نوح عليه السلام بعد دعائه لإبنه بالنجاة كان آخر الآنشطة التي قام بها على السفينة، وقد جاء في قوله تعالى: “قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ ۖ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُن مِّنَ الْخَاسِرِينَ (47) “(سورة هود: 47). فهذا يشبه كثيراً ما قاله أبونا آدم وزوجه عليهما السلام بعد أن ذاقا الشجرة، إذ قال جل شأنه: “قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (23) “ (سورة الأعراف:23). فقد جاء بعد استغفار آدم وزوجه عليهما السلام، اهباطهما واستخلافهما في الأرض وتكليفهما بالرسالة، إذ قال جل شأنه:” قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا ۖ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (38) “(البقرة: 38). فذات السُنّة وقعت مع نوح فبعد دعائه لله أن ينجي ابنه وهو من القوم الكافرين، ندم واستغفر، وجاءه بعد ذلك الأمر بالهبوط بسلام من السفينة، إذ قال تعالى: “قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِّنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَىٰ أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ ۚ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (48) “(هود: 48).

ففي هذه الآية حدّد الله مكان الهبوط بالمواصفات الآتية:

أولاً: مكان آمن بقوله أهبط بسلام منا.

ثانياً: مكان مبارك كل ما فيه من بشر وحيوان وحجر بقوله "بـ…. بركات عليك وعلى أمم ممن معك وأمم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم".

ثالثاً: مكان سيقع فيه عذاب دنيوي أليم لأمم كاملة.

فالوصف الأول ينطبق على بقاع كثيرة في الأرض ولكنه ينطبق على الحرم الثلاثة المكي والمدني والأقصى أكثر من غيرها للاخبار القرآني بذلك.

وأما الوصف الثاني فينطبق على موقع واحد مما ذكر في أولاً وهو المسجد الأقصى؛ لأن الله قد سماه في مواضع كثيرة الأرض التي باركنا حولها والأرض المباركة والأرض التي باركنا فيها للعالمين. وقد جاء ذلك في الآيات التالية: قوله تعالى: “ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (1)“(سورة الإسراء: 1) وقوله تعالي “ وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ (71)“(سورة الأنبياء:71) وقوله تعالى : “ يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَىٰ أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ (21) “ (سورة المائدة: 21).

أما الوصف الثالث فينطبق على منطقة أوسع نطاقاً من المنطقتين السابقتين ولكنّه يؤكد أنّ مكان الهبوط هو المكان المذكور في الوصف الثاني. فالوصف الثالث وهو العذاب الشامل، فينطبق على قوم لوط وقوم شعيب وقوم صالح وغيرهم ممن أبادهم الله إبادات شاملة بعد الطوفان سواء وقع ذلك بالصيحة أو بالخسف أو بالرجفة أو بالرجم بالحجارة.

إذن يكون مكان الهبوط الذي بورك فيه نوح عليه السلام ومن معه من أمم هو الأقصى، وهذا الاستنتاج يرجّح أن نوحاً عليه السلام هو أول من بنى المسجد الأقصى ومنذ ذلك الوقت أصبح قبلة المصلين والحجاج بعد أن غيّب الطوفان عن نوح عليه السلام تجاه قبلته الأولى مكة والبيت الحرام ومحجّهم الأول ومكان هبوط أبيهم آدم عليه السلام.

فالسؤال الذي يطرح نفسه بشدة في هذا المقام هو: أين الآية التي يفترض أن تكون باقية هناك إلى الآن من بقايا طوفان نوح عليه السلام؟

أنّ البحث عن هذه الآية ظل شغلاً شاغلاً للباحثين في كل الأديان المعروفة الآن، وفي اعتقادي أنّ كل أعمالهم البحثية لم تكن موفقة في الوصول إلى نتائج مقنعة علمياً؛ لأنها انطلقت من منطلقات غير موفّقة. فأغلب الباحثين يفترضون أنّ الآية الباقية هي السفينة.

فتصحيحاً للمنطلق، أقول أنّ المرجع لدينا لأخبار الطوفان هو القرآن الكريم وليس سواه من المراجع بغض النظر عن انتمائها. فمن ثم تكون الآيات الأساس التي سننطلق منها هي قوله تعالى: “فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُّنْهَمِرٍ (11) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَىٰ أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (12) وَحَمَلْنَاهُ عَلَىٰ ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (13) تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِّمَن كَانَ كُفِرَ (14) وَلَقَد تَّرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ (15) “(سورة القمر: 11-15).

فالقرآن الكريم، كما بينا سابقاً عندما أوردنا معنى الاستواء، لم يقصد إعلان نهاية الطوفان بانحسار الماء ورسو السفينة، عندما تطرّقنا لآيتي سورة هود وسورة المؤمنون، وأوضحنا أنّ القرآن كان يتحدّث عن نوح عليه السلام ومن معه أثناء الطوفان.

فإذا طرحنا تساؤلنا على آيات سورة القمر من (١١) إلى (١٥) نستطيع أن نقول أنّ الله سبحانه وتعالى في هذه الآيات أيضاً لم يشر إلى مصير الماء الذي نزل من السماء والماء الذي نبع من الأرض في هذه الآيات، كما أنّه أيضاً لم يشر إلى مصير بقيّة السفن بعد الهبوط والمباركة.

فهنا تقع إشكالية في فهم رجوع الضمير في كلمة “تركناها”، فهل هو راجع إلى الى ذات الألواح والدسر أي إلى السفينة التي كانت تقل نوحاً فقط؟ أم هو راجع إلى المياه التي كفرت أي غطت وأغرقت قوم نوح وآثارهم؟

فحتى نفهم مرجعية ذلك الضمير، ينبغي أن نفهم معنى كلمة (آية) أولاً. فالآية قد تكون معجزة لنبي أو كرامة لولي أو علامة للهداية إلى الطريق إلى الله. فإذا طبقنا هذه المعاني على السفينة أو السفن، فلا ينطبق أي من هذه المعاني على سفينة نوح في سورة القمر؛ لأنها لم تكن أحد معجزات نوح عليه السلام إذ أن نوحاً بعد هلاك من كُفِرُوا بالماء لم يكذبه أحد، فهو كآدم لم ينكر نبوته أحد من أبنائه. أما كون السفينة كرامة، فهو أيضاً غير مراد؛ لأن الأنبياء تكون لهم معجزات يستخدمونها للدعوة ولا تكون لهم كرامات. وأما الكرامات فهي أمور خاصة بين الرب والعبد الصالح في الغالب من الأحوال لا شأن لها بغيره من البشر، وإن كان ثمة شبه بينها وبين المعجزة، فهو في كونهما يشتركان في خرق السُنّة، أي قوانين الطبيعة (الخليلي، 2008: 111). فسفينة نوح لم تكن أمراً خارقاً لقوانين الطبيعة، بل هي علم يتفق تماماً مع قوانين العلوم الأخرى ويمكن لكل إنسان أن يتعلمه ويصبح ماهراً جداً فيه. كما أنّه من جهة أخرى، فإنّ قوانين الطبيعة تقضي بأنّ المواد التي صنعت منها سفينة نوح في سورة القمر هي مواد قابلة للتحلل السريع، فبقاؤها أبداً يتنافى مع قوانين الطبيعة التي قال فيها عز وجل: “وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا (23)” (سورة الفتح:23)، فما الفائدة من استبقاء السفينة؟ أما كون السفينة آية بمعنى علامة للهداية إلى الله، فهذا لا يتفق مع كونها آية؛ إذ لا يمكن أن تكون العلامة مخفيّة. وحتى بفرض أنّ السفينة وجدت، فما هي الفائدة العلمية التي يمكن أن تؤديها تلك السفينة أكثر من الفائدة التي يمكن أن نجنيها من أي سفينة مصنوعة في اليونان أو في استراليا في عام ٢٠١٦ ميلادي؟

إذن، فرجوع الضمير في كلمة “تركناها “إلى ذات الألواح والدسر لا يسوغ منطقاً، بل أنّ كلمة آية هنا تنتصب من ذاتها قرينة معنوية على أن الضمير لا يرجع إلى ذات الألواح والدسر.

فلما تقدّم، أي لاستحالة تصور بقاء السفينة، اعتقد أنّ الضمير في كلمة “تركناها” في آية سورة القمر يرجع إلى المياه التي ذكرت في الآيتين (١١) و (١٢) من سورة القمر. خلافاً لقاعدة رجوع الضمير إلى أقرب مذكور. فعلى ذلك تكون الآية المتروكة هي المحيطات والبحار والمسطحات المائية المالحة الموجودة اليوم.

ويمكن، أيضاً، أن يكون الضمير راجعاً إلى المكفور المفهوم ضمناً من قوله تعالى: “جزاء لمن كان كفر” وهو لا يخرج عما يلي من أمور: أولها، البشر من الكافرين الذين أغرقوا؛ وهو غير مراد؛ لأنّهم قد تحللوا حتماً ولم يبقى منهم إلا عُجب الذنب الذي إن وجد الآن أو في أي من الأزمنة السابقة ما كان ليشكل آية على غرق صاحبه في طوفان نوح. ثانيها، آثار أولئك القوم من مباني وعمران وصروح ومنتجات أخرى غير قابلة للتحلل خاصة ما يكشف عن خطيئاتهم التي تكلم عنها القرآن إجمالاً؛ فهذا من المحتمل بدرجة كبيرة أن يوجد في قاع البحر أو المحيط. فاكتشاف أي من مثل هذه الأشياء يكشف حتماً عن الطوفان. وقد كشفت بعض الأبحاث الحديثة عن مدينة شمال الأسكندرية بالبحر الأبيض المتوسط. (سي إن إن ، 11/1/2017). وكذلك كُشف في المكسيك عن نهر أو قناة مائية عذبة تحت قاع الخليج تحيط بها من الآثار مما يوحي بأنها كنت في اليابسة، الأمر الذي حدا بالمكتشفين إلى نسبتها إلى حضارة المايا (watcher.news،11/1/2017). أيضاً هناك المزيد من هذه الاكتشافات الحديثة التي تنسب، في اعتقادي خطأَ، إلى موجات المد البحري والزلازل. (سي إن إن بالعربية، 11/1/2017).

فرجوع الضمير سواء كان على المكفور وفاقاً لقواعد اللغة العربية أم إلى المياه لاستحالة رجوعه إلى السفينة، يؤدي إلى ذات النتيجة وهي أنّ المسطحات المائية المالحة من بحار ومحيطات وبحيرات ما هي إلا مياه باقية من طوفان نوح عليه السلام تركها الله جل شأنه آية للعالمين إلى أن يأتي وعده في سورة الكهف في قوله: “إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (7) وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا (8) “(الكهف: 7-8).

وقد يناقش هذا الاستدلال بما قاله تعالي في سورة العنكبوت: “فَأَنجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِّلْعَالَمِينَ (15)” (العنكبوت:15). فالجواب على ذلك هو أنّ الضمير في جعلناها لا يرجع إلى السفينة على الرغم من أنّها المرجع الأقرب، لذات الأسباب التي أوردناها أعلاه، وإنّما يرجع إلى المياه المتبقية بعد الطوفان التي هي دليل وقوعه القاطع، وشموله لكل الأرض. ولعل هذا هو محل الإبتلاء الذي أشار القرآن إليه مخاطباً لنا نحن ذرية نوح في قوله تعالى: “فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (28) وَقُل رَّبِّ أَنزِلْنِي مُنزَلًا مُّبَارَكًا وَأَنتَ خَيْرُ الْمُنزِلِينَ (29) إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ وَإِن كُنَّا لَمُبْتَلِينَ (30) ثُمَّ أَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ (31) “ (سورة المؤمنون:28-31). فالمنزل المبارك هو المسجد الأقصى، كما أشرنا إلى ذلك آنفاً، والآيات التي فيه هي العلامات التي تدل دلالة واضحة على حقائق النشأة الثانية، وتناسل البشرية من نوح ومن نجا معه، ومن ثم تغيُّر مركز الإنتشار البشري، من مكة إلى القدس، فكل هذا يكشف عنه ويثبته آثار الطوفان وليس آثار السفينة.

كما أنه من ناحية أخرى، أن الله