Search

تفسير النصوص القرآنية بطريق الترتيل والتدبر


elsiddik@squ.edu.om abbaselsiddik@yahoo.com.au Mobile: 0096871552118

مستخلص تفسير النصوص بطريق الترتيل و التدبر د.عباس محمد طه الصديق قال تعالى في سورة النحل: " وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ" فمن هذه الآية نبعت أهمية هذه الورقة التي تستهدف في أهمية هذه البحث في شروط فهم النص القرآني وصولاً إلى التعريف بالطريقة التي يبيّن بها القرآن نفسه. فتحقيقاً لأهدافها فقد انطلقت الورقة من سؤال محوري وحيد هو: هل القرآن ارشد إلى طريقة فهمه وبيان مقصود الشارع من نصوصه؟ اتبعت الورقة المنهج الاستقرائي في الإجابة على السؤال الذي انطلقت منه الذي لم يقتصر على استقراء آي القرآن فحسب، بل استصحب ايضاً الموروث التفسيري للائمة المفسرين رحمهم الله. توصلت الورقة إلى عدد من النتائج نجملها في أنّ القرآن قد أرشد إلى أنّ فهمه يتأتى بطريق الترتيل والتدبر وقد كشفت عن ادلة هذه الطريقة كما أوردت بعضاً من الأمثلة التي تبين كيفية تطبيقي ها. الكلمات المفتاحية: الترتيل ، التدبر، تفسير القرآن بالقرآن، فواتح السور.

Abstract Interpretation of the Quran by Matrix and Contemplation Method Dr. Abbas Mohamed Taha El Siddik Allah Almighty God, said in Surat Alnahal:” We reveal this book to you for clarifying everything you might face in life”. This verse triggered the idea of this paper which aims to research the requirements of the Quran scripture understanding. the importance of this paper appears in its role of exploring the mechanism the Quran utilizes to clarify everything among which its own scripture. To achieve its goals the paper pose the following pivotal question: is the Quran guides its believers the methodology of how to understand and to clarify Allah’s intention beyond its scripture? To answer the aforementioned question, the paper utilized the empirical methodology to survey the Quran verses and the previous interpretation literature which produced so far by the interpretation scholars(Imams). The paper come up with many results the most important of which is the Quran has guided its believers that understanding of Quran verses will be attainable if those verses are matrixed and then contemplated upon. The paper also clarified the provisions of this interpretation methodology and exercised some applications.

مقدمة:

التفسير عموماً هو الوصول إلى مقصد الشارع ([1] ). فهناك العديد من المناهج التي يتبعها المفسرون للوصول إلى مقصود الشارع. فالكثير من تلك المناهج يقوم على مجرد الحدس أو على منطق اللغة ومنها ما يقوم على النصوص القرآنية الأخرى ([2] )، ومنها ما يقوم على نصوص السنة ([3] )، ومنها يقوم على عمل الصحابة ([4] )، وأهل المدينة ([5] )، ومنها ما يقوم على تفسيرات التابعين ([6] ). وهنا يطرح البحث تساؤلين هما: هل القرآن أصلاً في حاجة إلى تفسير؟ هل أشار أرشد القرآن إلى كيفية الوصول إلى مقصود الشارع من نصوصه؟ فالإجابة على السؤال الأول هي التي تكشف عن مشكلة البحث والتي، عادة، يتعامل معها السواد الأعظم من الناس على طرفي نقيض. فهم اتجاه يجيب بنعم؛ وسندهم في ذلك أنّ القرآن لا يفهمه إلا من كان على قدر واسع من المعرفة والدراية بعلوم أصول الفقه واللغة والقرآن والحديث والفقه والسيرة والعقيدة وغيرها من العلوم الشرعية ([7] ). فعلى الرغم من أنّ هذا الاتجاه شائع وغالب وأغلب أهله من طلاب العلم الشرعي، إلا أنّه معارض باتجاه آخر تسانده النصوص والمنطق السليم. فالاتجاه الآخر يرى أنّ هذا القرآن ميسّر سهل يستطيع كل من علم اللسان العربي أن يفهم مقصود الشارع منه. ويستند هذا الفهم إلى قوله تعالى:” وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ (22) “. ([8]) ولا يبدو أن أحد الاتجاهين مقنعاً فيما ذهب إليه؛ لذا تمس الحاجة إلى إجابة السؤال الثاني والتي تفترض أنّ القرآن قد أرشد إلى طريقة فهمه.

فالهدف من هذه الدراسة هو بيان الطريقة التي أرشد إليها الشارع لفهم القرآن والوصول إلى مقصود الشارع منه وبيان أدلة ذلك وبعض تطبيقاتها العملية.

سيتبع البحث المنهج الاستقرائي الذي يتم فيه استقراء نصوص القرآن ذاته للوصول إلى الشروط اللازمة لفهمه ومن ثم يورد البحث تطبيقات على بعض الحالات لإثبات كيفية عمل تلك الشروط في تحصيل معاني القرآن.

استقراء آيات القرآن الكريم يؤكد أنّ معانيه ومراميه ومقاصد الشرع منه يتوصل إليها من خلال الترتيل والتدبر. فالترتيل والتدبر هما الشرطان الموصلان لذات النصوص وكذلك هما الشرطان الموصلان إلي المعاني المحمّلة في تلك النصوص. بعبارة أخرى، أنّ هدي القرآن لقارئه للوصول إلى معانيه ومقاصد الشارع منه يتوقف على قيام المفسِّر بالترتيل والتدبر. ومن هنا جاءت تسمية الطريقة بطريقة الترتيل والتدبر التي تشبه إلى حد كبير طريقة تقريب النصوص المعروفة في العلوم القانونية ([9] ). فحتى نجلي الأمر بخصوص هذه الطريقة، سيعنى البحث بتوضيح هذه الشروط على التوالي” الترتيل والتدبر“ ومن ثم يبيّن أدلة ذلك، ثم يوضّح كيف يمكن تطبيق هذه الطريقة عملياً على القرآن الكريم ويجلي الاختلاف بينها وبين الطرق التي ينتهجها المفسرون في تفسير القران. وعلى ذلك ستقسم الورقة إلى مبحثين كما يلي:

المبحث الأول: شرطا الترتيل والتدبر وأدلتهما

المبحث الثاني: تطبيقات عملية لطريقة الترتيل والتدبر

المبحث الأول

شرطا الترتيل والتدبر وأدلتهما

كلمة (ترتيل) على وزن (تفعيل) جذرها اللغوي (رتل) والذي يعني (صف أو نسق أو أشياء يتبع بعضها بعضاً) ([10]). وبدلالة هذا الجذر يكون معني عبارة (ترتيل الشيء): جعل أفراده في شكل مصفوفة. وهذا المعني هو الشائع لغة؛ إذ نقول: رتل من العسكر، أي صف من الجنود، ورتل من النمل، أي صف من النمل يسير خلف بعضه بعضاً وهكذا. فالترتيل للقرآن الكريم هو وضع آياته محل البحث في مصفوفة (كمرحلة أولى) وفاءاً للشرط الأول. ولما كان الشرط عدمياً، فإنّ تكوين هذه المصفوفة (الرتل) لا يفيد المفسِّر بغير الوفاء بالشرط الثاني وهو التدبر والذي يعني الوقوف على دبر كل آية والتفكّر في ماذا تفيد والكشف عن علاقتها بغيرها من آيات الرتل. ([11] ) فهنا تتدفق المعاني تلقائياً وينجلي قصد الشارع ويتضح النص الذي كان يكتنفه الغموض أو، على الأقل، الذي كانت معرفتنا به قاصرة على معاني دون ما تكشّف لنا الآن. فالتدبر، على ما تقدّم، هو تفكّر مخصوص يحصل للمتفكِّر عند وقوفه في نهايات الفِكَرِ، فهو بعبارة أخرى تأمل الفكرة بعد الوصول إلى تمامها، أو، بالنسبة لآيات القرآن، هو تأمل المفسِّر للآية القرآنية وهو في حالة وقوف على آخرها ناظراً فيما تضمنته من مضامين وما خلقته من علاقات بغيرها من آيات كونية أو مصحفيه ومحاولة معرفة أثر هذه العلاقات على الكم المعرفي للمفسِّر.

كيف يتم الترتيل وعلى أي أساس؟

الترتيل أو تشكيل آيات القرآن على شكل مصفوفة، يتم بصورة يقترحها التدبر؛ لذا فتدبر القارئ في أية ما يقوده إلى استدعاء أو تذكُّر آية أخرى لها علاقة ما بالآية موضوع التدبر الآن. فتلك العلاقة التي يسفر عنها التدبر، الى هذا الحد، هي مجرد علاقة يتم الكشف عنها بطريقة أولية، فقد تقتصر تلك العلاقة في هذه المرحلة الأولية على مجرد ورود الآيات في ذات السورة سواء أكانت مرتبة، أي بينها علاقة توالي أو تتابع سردي، أم موزعة في مواطن متفرقة من السورة. أو قد تشترك الآيات، المفرقة في المصحف، في بعض المفردات اللغوية أو قد تستخدم، تلك الآيات، لذات الأماكن وإن اختلفت الاسماء. وقد يكون الرابط بين تلك الآيات هو اشتراكها في الحديث عن بعض الأشخاص المختلفين زماناً ومكاناً ولكنهم متفقون في الصفات كالأنبياء. فالترتيل بهذه الكيفية هو ليس عملاً حدسي افتراضي ولكنه عمل حسي تُرشد إليه الأدلة المادية والقرائن المعنوية وهو ما يسمى أصولياً بإشارة النص أو لوازمه)[12]( .

وحتى يتم الترتيل لابد من تحقق التجانس المعنوي بين الآيات المرتلة والتمام العددي لها؛ إذ بذلك فقط يكون الاستقراء تاماً ([13] ) . فالتجانس المعنوي تحكمه مشكلة البحث التي يسعى المفسِّر إلى حلّها. فما يقوم بتكوينه من مصفوفة آيات أو رتل آيات باحث من الباحثين، قد لا يتوافق مع ما يتوصل إليه باحث آخر من مصفوفات أو أرتال آيات. وأما التمام العددي لآيات الرتل أو المصفوفة فهو محكوم باجتهاد الباحث في حده الأعلى. والآن بفضل حوسبة القرآن أصبح من الممكن بلوغ أعداد من الآيات لم يكن في السابق في مكنة الانسان العادي القيام به حتى وإن كان من الحفظة. أما في ما يتعلق بالحد الأدنى من العدد فأقله اثنان؛ وذلك لأنّ الحق عز وجل قد قال محكم تنزيله: ” اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إلي ذِكْرِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (23)”([14]) فإذا جمعنا هذه الآية مع قوله تعالى في سورة النحل: ” وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ (89)”.([15]) وكذلك قوله تعالى في سورة الذاريات: ” وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (49)". ([16]) فيكون المعنى المستنتج من (تدبّر) هذا الرتل أنّ الله سبحانه وتعالى ضمّن هذا القرآن علاج وبيان كل مشكلة تواجهنا في أزواج من الآيات أو في آيتين على الأقل منه فدل ذلك على الحد الأدنى لعدد آيات الرتل المفيد للمعنى.

أدلة طريقة الترتيل والتدبر من القرآن

أما الترتيل فدليله، باستخدام ذات الطريقة، طريقة الترتيل، قوله تعالى في سورة المزمل في الآية الأولي منها وما بعدها: ”يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (1) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (2) نِّصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (3) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (4) إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (5)“ ([17]). وقوله تعالى في سورة الفرقان: ” وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً ۚ كَذَٰلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ ۖ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا (32)”.([18]) يضاف إلى هاتين الآيتين آيات سورة القيامة التي يقول فيها المولى عزّ وجل: ” لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (16) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (17) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (18) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (19)([19] ) . وتوجيه الاستدلال هنا، والذي يأتي عن طريق عملية التدبر، هو أنّ الله سبحانه وتعالى يرشد الرسول صلى الله عليه وسلم (المزمل)، ونحن من بعده، إلى أنّ هذا الأمر الذي بدأ نزوله إليك يا محمد أقم به الليل متفكّراً فيه بعد أن تصفّه صفوفاً، أي تضع بعضه على إثر بعض، فبذلك سنلقي على قلبك معانيه العظيمة. فلا تتعجل عملية الترتيل وكذلك لا تستعجل عملية استبيان المعاني (التدبّر)، فنحن سنتولى عنك كل ذلك([20] ).

وأما التدبر فدليله، أيضاً بذات طريقة الترتيل، يظهر من خلال الرتل التالي من الآيات التي منها قوله تعالى: ” أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (24)”.([21]) و قوله تعالى في سورة النساء : ” أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ۚ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (82)" .

فتوجيه الاستدلال هو أنّ كلمة (يتدبرون) فعل وفاعل للجذر اللغوي (دبر) الذي يأتي بمعنى (مؤخرة) أو (عقب)([22] )، فعلى ذلك يكون معنى كلمة (يتدبرون) والذي يظهر من الآيتين أعلاه هو الوقوف على آخر الآيات المتدبّرة ثم التفكُّر في معانيها في ضوء كل الركام المعرفي للمتدبِّر. فذلك الفعل ( التدبّر)، بتلقائية، يُكسِب المتدبِّر العلم والمعرفة بالحق( [23] ). فالتدبر، كما يبدو من الآيات المذكورة أعلاه، هو عملية تحدث عقب قراءة أي آية من آي القرآن، وهو أيضاَ يحدث عقب تحضير الرتل من الآيات المراد استقاء العلم منها سواء كانت هذه الآيات آيات قرآنية أم آيات كونية؛ إذ إنّ كل منها يفيد العلم بذات الطريقة. وسيجيء بيان ذلك عند تفسير إقرأ لاحقاً.

جدير بالذكر أنّ هناك العديد من الشواهد القرآنية التي تعضّد ما ذهبنا إليه من أنّ عملية استقاء المعاني والعلم من الآيات القرآنية أو الكونية هي عملية أرشدنا الله جل شأنه إليها وأنّها تتم بالطريقة ذاتها التي وصفنا؛ إذ أنّها تحدث أولاً ترتيلاً ثم تليها عملية تدبّر بمعني الوقوف في مؤخرة كل آية من آيات الرتل ثم التفكّر فيها. وحتى نجلي أمر هذه الشواهد القرآنية المعضّدة سنتعامل مع آيات الشواهد القرآنية بالطريقة ذاتها، اي طريقة الترتيل والتدبّر، لنرى مدى منطقية إفادتها للمعني وسلاسته. وعلى ذلك فسنقوم بإيراد رتل الآيات ثم من بعد ذلك نقوم بتوجيه عملية التدبّر فيها آية آية لتتضح من خلال ذلك آلية إفادتها للمعنى.

أولاً : ترتيل الآيات ( تكوين المصفوفات):

”وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ ۚ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ۚ ذَّٰلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا ۚ فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (176).“([24])

”إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّىٰ إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ ۚ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (24).“([25])

”وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا ۖ وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ ۖ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (3).“([26])

”يُنبِتُ لَكُم بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ(11).“([27])

"وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُّوحِي إِلَيْهِمْ ۚ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (43) بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ ۗ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (44).“([28])

”ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا ۚ يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِّلنَّاسِ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (69).“([29])

”وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (21).“([30])

”اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا ۖ فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَىٰ عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَىٰ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (42).“([31])

”وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (13).“([32])

”لَوْ أَنزَلْنَا هَٰذَا الْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ۚ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (21).“([33])

ثانياً: توجيه الاستدلال بالآيات:

خطاب القرآن الكريم في هذه الآيات العشر، وهي حصراً الآيات التي وردت فيها الدعوة إلى التفكّر، التزم نسقاً واحداً وهو: أن يبيّن الله سبحانه وتعالي في صدر الآية المثل أو الآية الكونية أو الأمر المراد التفكّر فيه، ثم يذكّر المخاطبين في آخر الآية بأنّ ما تقدّم هو آية، أي مصدر للعلم، ويستحثهم على التفكّر فيه. فالأمر بالتفكّر في هذه الآيات، الذي هو للندب عند أغلب أهل العلم، لا يمكن الامتثال له من قبل المتفكّر إلا بالرجوع الى الآية القرآنية نفسها التي ورد فيها وصف الآية الكونية بغية استيعاب ذلك الوصف بعمق، ثم الرجوع إلى تلك الآية الكونية والتفكّر فيها، أيضاً، لتحصيل العلم الذي أرشدت إليه الآية القرآنية ومن ثم تتحقق الهداية التي هي ثمرة العلم. فبعبارة أخرى، أنّ تنسيق الخطاب بهذه الطريقة يجعل ترتيب العمليات العقلية التي تؤدي في النهاية إلى حصول العلم، أمراً يحدث بطريقة تلقائية؛ إذ يلفت الشارع نظر المخاطبين إلى أمرين اولهما، الاطلاع على الآية أو المثل ، وثانيهما، التفكّر فيها كوصف نظري في الآية القرآنية ثم الانتقال إلى التفكّر فيها كواقع معاش في الكون؛ وذلك لأنّ التنبيه والأمر بالتفكّر لم يأت إلا في آخر الآية القرآنية في أغلب الأحوال التي أمر فيها المولى عز وجل بالتفكّر، وبذلك يتطابق فعل التفكّر مع معنى التدبُّر الذي اشرنا إليه سابقاً.

المبحث الثاني

تطبيقات عملية للتفسير بالترتيل والتدبر:

اثبت البحث أنّ طريقة الترتيل والتدبّر يمكن تطبيقها بسهولة ويسر ودون الحاجة إلى مؤهلات خاصة في أغلب نصوص القرآن الكريم. ولما كانت المساحة المتاحة في هذه الورقة لا تسمح يإيراد الكثير من الأمثلة، فستكتفي الورقة بالإضافة إلى ما تقدّم من أمثلة بإيراد ثلاث تطبيقات أولها، في معنى الكلمة الأولى في القرآن ” إقرأ“، وثانيها، في فهم بعض فواتح بعض السور القرآنية، واخيراً، في تفسير قوله تعالى ”فاسقيناكموها“، فلعل في أيراد تلك التطبيقات يكون البيان الكافي لإثبات علميّة طريقة الترتيل والتدبّر كمنهجية تفسير.

التطبيق الأول: مقصود الشارع بقوله: ”إقرأ“ في سورة العلق:

إنّ أول كلمة نزلت في القرآن هي ”إقرأ“([34]). فالغموض الذي يكتنف هذه الكلمة هي أنّها نزلت على محمد صلى الله عليه وسلم، الأمّي الذي لا يقرأ ([35])، فكيف نفهم ما المراد بفعل الأمر” اقرأ“؟ فهنا وحتى نجلي معنى كلمة ”اقرأ“ سنقوم أولاً بتشكيل الرتل الأولي ثم نشرع، بعد ذلك، في التدبّر الذي من خلاله سنقوم بتشكيل الارتال الثانوية والتعزيزية.

الرتل الأوّلي:

”اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5). ([36])

” الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (191) “. ([37])

” سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ۗ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (53) “. ([38])

"وَالطُّورِ (1) وَكِتَابٍ مَّسْطُورٍ (2) فِي رَقٍّ مَّنشُورٍ (3) وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ (4)”. ([39])

”ن ۚ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (1)“.([40])

"يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ (19)".([41])

التدبّر:

ليتم تدبر هذه الرتل من الآيات، لابد من أن يتم ذلك في ضوء ما ثبت بالسنة من أخبار. ففي الحديث يروى عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنّ جبريل عليه السلام جاء اليه وأمره بالقراءة بقوله” اقرأ“([42]). فتدبر هذه الكلمة يقود إلى أنّ المقصود بها في سورة العلق محيِّر؛ أذ أنّ المُرْسِل وهو الله والآمر وهو الملك (جبريل) يعلمان أنّ المأمور أمّي لا يقرأ ولا يكتب، فما المقصود بالأمر؟ فحتى نجلي حقيقة ذلك” الأمر بالقراءة” ينبغي أن نحلله في ضوء الألواح أو الكتب التي تقرأ في الحياة الدنيا بواسطة البشر وهي ثلاثة: اللوح المسطور واللوح المحفوظ واللوح المنظور. فإذا كانت هذه الألواح هي حصراً الألواح التي تقرأ في الدنيا، فحتماً سيكون الأمر المفهوم من” أقرأ “هو أمر بقراءة واحد منها، فما هو ؟

أولاً : عندما أمر الملك سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بالقراءة في غار حراء، ظن الرسول صلى الله عليه وسلم أنّ الملك يأمره بقراءة اللوح المسطور وهو الكتب التي تسطّر في الورق، فرد بأنّه ليس بقارئ؛ فلذلك جذبه الملك حتى بلغ منه الجهد ثم اطلقه وأمره بالقراءة مرة أخرى([43]). فالظاهر أنّ الجذب للتذكير هنا بأنّ اللوح الذي تعتقد أنك مأمور بقراءته ليس هو المقصود وإنما المقصود لوح آخر؛ لذلك كرر الملك للمرة الثانية الامر بالقراءة، ولما رد سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام للمرة الثانية بأنّه ليس بقارئ، ايضاً جذبه الملك للمرة الثانية حتى بلغ منه الجهد ثم اطلقه؛ وذلك لأنّ الرسول صلى الله عليه وسلم هذه المرة أيضاً اعتقد أنّه مأمور بقراءة ما في صدر الملك جبريل، وهو ما يعرف باللوح المحفوظ الذي لا يقرأه إلا الله جل شأنه فهو كما قال عن نفسه : "يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ (19)"؛ فالآن الرسول صلى الله عليه وسلم ليس بحاجة إلى تذكير؛ إذ لم يتبق من الألواح التي تقرأ إلا لوح واحد هو اللوح المنظور. لذلك لم يجذبه الملك كما في المرات السابقة وإنما الملك كرر الأمر” أقرأ “وواصل الآيات الى الآية الرابعة من السورة وهي التي مرّ ذكرها عند استعراض الرتل الأولي، فشرع محمد عليه الصلاة وأتم التسليم في القراءة وانصرف الملك. فالنتيجة التي سرعان ما توصل إليها الرسول صلى الله عليه وسلم من قراءته امتثالاً لأمر الله المنقول له عن طريق الوحي الأمين جبريل عليه السلام، هو أنه حصّل معرفة وعلماً جعله يرتعش خشية واشفاقاً مما حُمِّل به من أمانة. فترك الرسول صلى الله عليه وسلم فترة من الزمان يعتاد فيها على كيفية القراءة التي تعلمها وينهل من معينها مزيداً من المعرفة والعلم.

فاللوح المنظور هو الكون المرئي حساً وعقلاً بكل ما يحوي من مفردات. فهو كتاب يقرأ؛ إذ يدل على ذلك تدبر الآيات (١٩١) من سورة آل عمران والآية (٥٣) من سورة فصلت اللتان تقدّم ذكرهما في الرتل واللتان تشيران بوضوح إلى أنّ آيات الله الكونية المنشورة في السماوات والأرض وفي أنفسنا ما هي إلا مصادر معرفة نصبها الله سبحانه وتعالى لنا ككتب مفتوحة ننهل منها العلم عن طريق التفكّر ([44]). فخلاصة الأمر أنّ الله سبحانه يرشد الرسول صلى الله عليه وسلم إلى قراءة كتابه المنظور أو التفكّر في ملكوته ليحصل على المعرفة التي تمكّنه من معالجة المشكلات التي تواجهه في الدنيا والتي بدون معالجتها لن يستطيع أن ينهض برسالته في شقيها التعبدي والإعماري.

فهذا الكتاب الكوني، أي كتاب الله المنظور، هو كتاب يقود إليه العقل السليم وإن لم توجد آيات قرآنية ترشد إليه. فالعقل يقتضي أنّ من يصنع جهازاً يهمه من الناحية الاقتصادية أن يحسن الناس التعامل مع هذا الجهاز وأن يشعروا في استعماله اقصى درجات الرضا المتوقع؛ فذلك هو الأمر الوحيد الذي يضمن له هو، كمُنْتِج، الاستمرار في تسويق جهازه هذا لزمن أطول أو على الأقل حتى يأتي منافس آخر يبتكر جهازاً يحقق رضاً أكبر من الرضا الذي حققه هو. فلذلك نجد أنّ اغلب الشركات المنتجة للأجهزة والمعدات تهتم بتضمين تلك الأجهزة والمعدات الإرشادات والتوجيهات التي تضمن للزبون استعمالاً آمناً ويدوم طوال العمر الافتراضي للمنتج. تفعل الشركات المنتجة ذلك، عادة، بكتابة تلك التوجيهات على لوحات بارزة على الأجهزة مثل التحذير من عدم فتح الجهاز إلا بواسطة فني متخصص أو عدم تعريضه لأشعة الشمس أو البلل. وفي بعض الأحيان ترفق مع الجهاز داخل الصندوق الحافظ له كتيبات ارشادية تحتوي على النصائح التي تلزم للتشغيل الآمن ومعالجة الأخطاء التشغيلية البسيطة. وفي احيان أخرى تقوم بعض الشركات بتخصيص فرق فنية لمساعدة الزبائن في التدريب والصيانة والتعامل مع مشكلات ادارة الأجهزة. فالسؤال الذي يطرح في هذا المقام هو:” هل الله سبحانه وتعالى كصانع لهذا الكون الذي نعيش نحن في جزء منه، لم يقم بوضع اللوحات الإرشادية أو وضع الكتيبات الإرشادية له أو حتي تخصيص الفرق الفنية المرشدة أو المساعدة في عمليات الصيانة والتدريب؟ “الإجابة على هذا التساؤل هي بنعم. فهذا الكون مزوّد بلوحات ارشادية مطبوعة على صفحته في كل الاتجاهات والمناحي وزوّد الله سبحانه وتعالي بني البشر من ساكنيه بالكتب الإرشادية وهي الكتب السماوية التي بدأ نزولها من لدن كلمات آدم التي تلقاها في جبل الرحمة، ”فَتَلَقَّىٰ آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ ۚ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (37)“.([45]) وختاماً بالقرآن الكريم الذي بدأ نزوله ”بإقرأ“ التي نحن بصدد ضبط معناها وختاماً بقوله تعالى: ”... الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ...(3)“.([46]) ولم يكتف الله سبحانه وتعالى بتلك الطرق وإنما أيضاً ارسل الرسل مبشرين ومنذرين ومعلمين وهادين ومرشدين وهم أرفع قدراً من الخبرة الفنية التي توفرها الشركات لمنتجاتها، فهم خبرة فنية عظيمة بعظمة المنتج وهو الكون. فهذه المقاربة التي نقترحها هنا للكون كمنتج رباني بالأجهزة التي تنتجها الشركات، نادت بها من قبل، كنتيجة، مدرسة القانون الطبيعي في فلسفتها لتأصيل القانون حيث قالت افكار هذه المدرسة” أن أصل القانون الوضعي هو القانون الطبيعي والقانون الطبيعي هو مجموعة الأحكام الأبدية والسرمدية التي أودعتها الذات الإلهية في هذا الكون ونصل إليها نحن بني البشر عن طريق التفكير والتأمل“.([47])

وجدير بالذكر أنّ الكون كونه هو كتاب الله المنظور الذي يحوي ملكوت الله المعلوم حساً وعقلاً، هو ليس فقط الكتاب الذي أمر جبريل عليه السلام محمداً عليه الصلاة والسلام أن يقرأه، وإنما هو ذات الكتاب الذي أشار إليه المولى عز وجل في الآية الثانية من سورة البقرة، أي هو ”ألم“ في الآية الأولى من ذات السورة، عندما قال الله سبحانه وتعالى: ” الم (1) ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ (2)“.([48]) فالكتب في الدنيا هي مصادر للعلم والمعرفة ولكنها تتفاوت في درجة إفادتها للعلم والمعرفة فمنها ما يفيد معرفة قد تكون مشكوك فيها في الغالب من الأحوال، وتلك هي الكتب المسطورة، وهذا ما يستفاد من تدبر الآية (٢) و (٣) من سورة الطور والآية (٢) و (٣) من سورة القلم. ومن تلك المصادر المعرفية ما يفيد معرفة وعلماً يقينياً، ومن ذلك الكتاب المنظور والذي هو نفسه” ألم“ المشار إليه في سورة البقرة كما سيجيئ في التطبيق الثاني حالاً. فالقراءة في الكتاب المنظور لأنّها تفيد معرفة يقينية؛ لذلك أشار المولى عز وجل في الآية الثانية من سورة البقرة إلى أنّ هذا الكتاب، أي اللوح المنظور : ” لا ريب فيه هدى للمتقين“. وهذا الربط بين سورة العلق وسورة البقرة خاصة في الآيات الأولى من كلٍ، ليس غريباً؛ وذلك لأنّ سورة العلق هي أول القرآن بترتيبه التنزيلي، وسورة البقرة هي أول الخطاب القرآني التوقيفي فطبيعي أن يتطابق كل من الخطابين ولا يتعارضا.

فخلاصة القول، أنّ ”إقرأ“ لا تعني قراءة آيات الكتاب المسطور وإنما تعني قراءة آيات الكتاب المنظور ” الكون“ التي تتم عن طريق التفكّر والتأمل، وهي تحمل معنى الاستقراء المعروف كطريق بحثي، فهذه القراءة لا يقوم بها إلا أولى الألباب كما يفيد بذلك تدبر كل الآيات القرآنية التي تدعو إلى التفكّر في الآيات الكونية، كما مرّ. والمعرفة التي تستقى بهذا النوع من القراءة (الاستقراء) ومن هذا النوع من المصادر المعرفية هي معرفة دوماً يقينية؛ لأنّها استنتاج مبني على المنهج العلمي الرباني.([49])

التطبيق الثاني: الفواتح الحروفية لبعض السور القرآنية:

فواتح بعض السور القرآنية التي تألفت من حروف فقط، هي مما أشكل على الكثير من المفسرين أن يجدوا لها معنى واضحاً ومنطقياً حسب منهج التفسير الذي يستخدمونه؛ لذا نجد أغلبهم يقرر أنّها حروف مقطعة الله أعلم بمراده منها.[50]( ) فهنا ولأغراض هذا البحث ومنعاً للإسهاب، سأورد مثالين عمليين لتفسير هذه الفواتح نأمل أنّ تفتح الطريق للقارئ للوصول إلى تفسير بقية الفواتح الأخرى باستخدام ذات طريقة الترتيل والتدبّر. وأما الفواتح التي سنقوم بتطبيق طريقة الترتيل والتدبر عليها فهي قوله تعالى في أول سورة البقرة:” ألم“،([51]) وقوله تعالى في أول سورة مريم: ” كهيعص“.([52]) وفيما يلي سنفصل القول في ذلك :

المثال الأول: فاتحة سورة البقرة ” ألم“ :

حتى نقوم بتطبيق طريقة الترتيل والتدبر على هذه الفاتحة من سورة البقرة ومن ثم الوصول إلى معناها لا بد من بناء الرتل القرآني أولاً ثم بعد ذلك نقوم بالتدبّر فيه.

فالرتل القرآني الأولي هنا في هذا المثال يتألف من الخمس آيات المتتابعة التي تبدأ بذات الآية موضوع البحث. أي أنّ الرتل ينبني هكذا: ”الم (1) ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ (2) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (3) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4) أُولَٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (5)”.([53]) فالعلاقة التي قادت إلى بناء هذا الرتل هي علاقة التتابع التي كشف عنها التدبّر وهو ما سنوضحه حالاً.

أما التدبر في الرتل القرآني المختار أعلاه فهي تتم كالآتي:

أنّ” ألم “ كآية بالوقوف في نهايتها فهي ليست إلا أحرفاً غير مفيدة بذاتها لأي معني. فهذه النتيجة تقود بالضرورة إلى النظر إلى الآية التي تعقبها قبل كل شيء، فربما كانت تحوي التتمة التي بها يتضح معنى هذه الأحرف. وبالفعل عند قراءة الآية الثانية التي تعقبها مباشرة، وتدبّرها، نصل إلى أنّها تبدأ بحرف الإشارة ” ذلك“ والمشار إليه هو الكتاب المعرّف بالألف واللام. ولما كان التعريف لا يكون إلا للعهد الذهني أو للعهد الذكري([54])، فإن التبرير الوحيد لتعريف الكتاب المشار إليه بـ (ذلك) لا يكون متسقاً ومنطق اللغة إلا إذا كانت الآية الثانية بمجملها خبر لما ذكر في الآية الأولى. إذن فإنّ النتيجة تكون أنّ ” ألم ” مبتدأ خبره الآية الثانية، أي أنّ ” ألم“ هي ذلك الكتاب الذي من صفاته أنّه لا شك فيه ولا ريب وهو كتاب هداية للمتقين. أو ربما، على اختلاف القراءات، كان المعني أنّ ”ألم“ هو ذلك الكتاب الذي من المؤكد يحوي الهدي للمتقين من البشر. فالتدبّر لهذه الآية الثانية سيقود أيضا ًإلى أنّ هذا الكتاب، على مختلف القراءات، هو ليس المصحف أو القرآن؛ وذلك لأنّ القرآن على القراءة الأولى، الناس يشكّون فيه، ولولا ذلك الشك، لآمنوا به جميعاً ولما كان القرآن في حاجة إلى تحدي البشر بأن يأتوا بسورة من مثله أو بعشر آيات مفتريات([55]). فالتدبّر للآية الثانية من سورة البقرة يقود إلى أنّ ”ألم“ التي هي الكتاب، هي كتاب يفيد علماً يقيني لا يشك فيه وإن كان هذا العلم لا يستقيده إلا المتقين من البشر. أما تدبّر الآية الثانية من سورة البقرة على أساس القراءة الثانية فينتج عنه، أيضاً، أنّ ذلك الكتاب ليس القرآن؛ وذلك لأنّ القرآن كتاب هداية لكل الناس، تقيَّهم وفاجرهم، فالقول بغير ذلك يجعل هذه الآية من سورة البقرة تعارض العديد من آي القرآن الأخرى ومن بينها قوله تعالى: ” شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ“.([56]) ويعارض كذلك قوله تعالى في سورة فصلت: ” وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَّقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ ۖ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ ۗ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ ۖ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى ۚ أُولَٰئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ (44)“.([57]) وكذلك يعارض قوله تعالى في سورة الأعراف: ” وَلَقَدْ جِئْنَاهُم بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَىٰ عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (52)“.([58]) ويعارض قوله تعالى: ” إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا (9)“.([59]) ووجه الاستدلال بهذه الآيات على التعارض هو أن المتقين ليس الناس أجمعين وكذلك هم ليسوا المؤمنين. أما تدبّر الآية الثالثة فيكشف لنا عن صفات (المتقين) من الإيمان بالغيب وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، وهو ما يدل أيضاً على المغايرة بين التقوى والإيمان والاختلاف بينهما في الدرجة؛ إذ التقوى أعظم درجة من مجرد الإيمان ويدل على ذلك قوله تعالى في سورة الحجرات: ”يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)“.([60]) ويؤكد ذلك قوله تعالى في سورة آل عمران: ”يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ (102)“.([61]) أما تدبّر الآية الرابعة من الرتل فيؤكد أنّ المتقين هم من حازوا كل شُعَبِ الإيمان فضلاً عن العمل؛ إذ التقوى هي إتباع سبيل النجاة في الدنيا والآخرة واجتناب سبيل الهلاك في الدنيا والآخرة([62]). فإثباتاً لصفة التقوى فيهم ومنعاً لالتباسها بصفة الإيمان ذكر الله جل شأنه في هذه الآية الرابعة أنّ هؤلاء المتقون يؤمنون بالرسل والكتب السماوية ويؤمنون كذلك باليوم الآخر فبذلك تكتمل عندهم شعب الإيمان جميعاً. فتدبر هذه الآية يستدعي آية أخرى لتضاف إلى الرتل وهي قوله تعالى في سورة الطلاق: ” فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ۚ ذَٰلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ۚ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ ۚ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (3)".([63]) وكذلك قوله تعالى في سورة ال