Search

تفسير النصوص القرآنية بطريق الترتيل والتدبر


elsiddik@squ.edu.om abbaselsiddik@yahoo.com.au Mobile: 0096871552118

مستخلص تفسير النصوص بطريق الترتيل و التدبر د.عباس محمد طه الصديق قال تعالى في سورة النحل: " وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ" فمن هذه الآية نبعت أهمية هذه الورقة التي تستهدف في أهمية هذه البحث في شروط فهم النص القرآني وصولاً إلى التعريف بالطريقة التي يبيّن بها القرآن نفسه. فتحقيقاً لأهدافها فقد انطلقت الورقة من سؤال محوري وحيد هو: هل القرآن ارشد إلى طريقة فهمه وبيان مقصود الشارع من نصوصه؟ اتبعت الورقة المنهج الاستقرائي في الإجابة على السؤال الذي انطلقت منه الذي لم يقتصر على استقراء آي القرآن فحسب، بل استصحب ايضاً الموروث التفسيري للائمة المفسرين رحمهم الله. توصلت الورقة إلى عدد من النتائج نجملها في أنّ القرآن قد أرشد إلى أنّ فهمه يتأتى بطريق الترتيل والتدبر وقد كشفت عن ادلة هذه الطريقة كما أوردت بعضاً من الأمثلة التي تبين كيفية تطبيقي ها. الكلمات المفتاحية: الترتيل ، التدبر، تفسير القرآن بالقرآن، فواتح السور.

Abstract Interpretation of the Quran by Matrix and Contemplation Method Dr. Abbas Mohamed Taha El Siddik Allah Almighty God, said in Surat Alnahal:” We reveal this book to you for clarifying everything you might face in life”. This verse triggered the idea of this paper which aims to research the requirements of the Quran scripture understanding. the importance of this paper appears in its role of exploring the mechanism the Quran utilizes to clarify everything among which its own scripture. To achieve its goals the paper pose the following pivotal question: is the Quran guides its believers the methodology of how to understand and to clarify Allah’s intention beyond its scripture? To answer the aforementioned question, the paper utilized the empirical methodology to survey the Quran verses and the previous interpretation literature which produced so far by the interpretation scholars(Imams). The paper come up with many results the most important of which is the Quran has guided its believers that understanding of Quran verses will be attainable if those verses are matrixed and then contemplated upon. The paper also clarified the provisions of this interpretation methodology and exercised some applications.

مقدمة:

التفسير عموماً هو الوصول إلى مقصد الشارع ([1] ). فهناك العديد من المناهج التي يتبعها المفسرون للوصول إلى مقصود الشارع. فالكثير من تلك المناهج يقوم على مجرد الحدس أو على منطق اللغة ومنها ما يقوم على النصوص القرآنية الأخرى ([2] )، ومنها ما يقوم على نصوص السنة ([3] )، ومنها يقوم على عمل الصحابة ([4] )، وأهل المدينة ([5] )، ومنها ما يقوم على تفسيرات التابعين ([6] ). وهنا يطرح البحث تساؤلين هما: هل القرآن أصلاً في حاجة إلى تفسير؟ هل أشار أرشد القرآن إلى كيفية الوصول إلى مقصود الشارع من نصوصه؟ فالإجابة على السؤال الأول هي التي تكشف عن مشكلة البحث والتي، عادة، يتعامل معها السواد الأعظم من الناس على طرفي نقيض. فهم اتجاه يجيب بنعم؛ وسندهم في ذلك أنّ القرآن لا يفهمه إلا من كان على قدر واسع من المعرفة والدراية بعلوم أصول الفقه واللغة والقرآن والحديث والفقه والسيرة والعقيدة وغيرها من العلوم الشرعية ([7] ). فعلى الرغم من أنّ هذا الاتجاه شائع وغالب وأغلب أهله من طلاب العلم الشرعي، إلا أنّه معارض باتجاه آخر تسانده النصوص والمنطق السليم. فالاتجاه الآخر يرى أنّ هذا القرآن ميسّر سهل يستطيع كل من علم اللسان العربي أن يفهم مقصود الشارع منه. ويستند هذا الفهم إلى قوله تعالى:” وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ (22) “. ([8]) ولا يبدو أن أحد الاتجاهين مقنعاً فيما ذهب إليه؛ لذا تمس الحاجة إلى إجابة السؤال الثاني والتي تفترض أنّ القرآن قد أرشد إلى طريقة فهمه.

فالهدف من هذه الدراسة هو بيان الطريقة التي أرشد إليها الشارع لفهم القرآن والوصول إلى مقصود الشارع منه وبيان أدلة ذلك وبعض تطبيقاتها العملية.

سيتبع البحث المنهج الاستقرائي الذي يتم فيه استقراء نصوص القرآن ذاته للوصول إلى الشروط اللازمة لفهمه ومن ثم يورد البحث تطبيقات على بعض الحالات لإثبات كيفية عمل تلك الشروط في تحصيل معاني القرآن.

استقراء آيات القرآن الكريم يؤكد أنّ معانيه ومراميه ومقاصد الشرع منه يتوصل إليها من خلال الترتيل والتدبر. فالترتيل والتدبر هما الشرطان الموصلان لذات النصوص وكذلك هما الشرطان الموصلان إلي المعاني المحمّلة في تلك النصوص. بعبارة أخرى، أنّ هدي القرآن لقارئه للوصول إلى معانيه ومقاصد الشارع منه يتوقف على قيام المفسِّر بالترتيل والتدبر. ومن هنا جاءت تسمية الطريقة بطريقة الترتيل والتدبر التي تشبه إلى حد كبير طريقة تقريب النصوص المعروفة في العلوم القانونية ([9] ). فحتى نجلي الأمر بخصوص هذه الطريقة، سيعنى البحث بتوضيح هذه الشروط على التوالي” الترتيل والتدبر“ ومن ثم يبيّن أدلة ذلك، ثم يوضّح كيف يمكن تطبيق هذه الطريقة عملياً على القرآن الكريم ويجلي الاختلاف بينها وبين الطرق التي ينتهجها المفسرون في تفسير القران. وعلى ذلك ستقسم الورقة إلى مبحثين كما يلي:

المبحث الأول: شرطا الترتيل والتدبر وأدلتهما

المبحث الثاني: تطبيقات عملية لطريقة الترتيل والتدبر

المبحث الأول

شرطا الترتيل والتدبر وأدلتهما

كلمة (ترتيل) على وزن (تفعيل) جذرها اللغوي (رتل) والذي يعني (صف أو نسق أو أشياء يتبع بعضها بعضاً) ([10]). وبدلالة هذا الجذر يكون معني عبارة (ترتيل الشيء): جعل أفراده في شكل مصفوفة. وهذا المعني هو الشائع لغة؛ إذ نقول: رتل من العسكر، أي صف من الجنود، ورتل من النمل، أي صف من النمل يسير خلف بعضه بعضاً وهكذا. فالترتيل للقرآن الكريم هو وضع آياته محل البحث في مصفوفة (كمرحلة أولى) وفاءاً للشرط الأول. ولما كان الشرط عدمياً، فإنّ تكوين هذه المصفوفة (الرتل) لا يفيد المفسِّر بغير الوفاء بالشرط الثاني وهو التدبر والذي يعني الوقوف على دبر كل آية والتفكّر في ماذا تفيد والكشف عن علاقتها بغيرها من آيات الرتل. ([11] ) فهنا تتدفق المعاني تلقائياً وينجلي قصد الشارع ويتضح النص الذي كان يكتنفه الغموض أو، على الأقل، الذي كانت معرفتنا به قاصرة على معاني دون ما تكشّف لنا الآن. فالتدبر، على ما تقدّم، هو تفكّر مخصوص يحصل للمتفكِّر عند وقوفه في نهايات الفِكَرِ، فهو بعبارة أخرى تأمل الفكرة بعد الوصول إلى تمامها، أو، بالنسبة لآيات القرآن، هو تأمل المفسِّر للآية القرآنية وهو في حالة وقوف على آخرها ناظراً فيما تضمنته من مضامين وما خلقته من علاقات بغيرها من آيات كونية أو مصحفيه ومحاولة معرفة أثر هذه العلاقات على الكم المعرفي للمفسِّر.

كيف يتم الترتيل وعلى أي أساس؟

الترتيل أو تشكيل آيات القرآن على شكل مصفوفة، يتم بصورة يقترحها التدبر؛ لذا فتدبر القارئ في أية ما يقوده إلى استدعاء أو تذكُّر آية أخرى لها علاقة ما بالآية موضوع التدبر الآن. فتلك العلاقة التي يسفر عنها التدبر، الى هذا الحد، هي مجرد علاقة يتم الكشف عنها بطريقة أولية، فقد تقتصر تلك العلاقة في هذه المرحلة الأولية على مجرد ورود الآيات في ذات السورة سواء أكانت مرتبة، أي بينها علاقة توالي أو تتابع سردي، أم موزعة في مواطن متفرقة من السورة. أو قد تشترك الآيات، المفرقة في المصحف، في بعض المفردات اللغوية أو قد تستخدم، تلك الآيات، لذات الأماكن وإن اختلفت الاسماء. وقد يكون الرابط بين تلك الآيات هو اشتراكها في الحديث عن بعض الأشخاص المختلفين زماناً ومكاناً ولكنهم متفقون في الصفات كالأنبياء. فالترتيل بهذه الكيفية هو ليس عملاً حدسي افتراضي ولكنه عمل حسي تُرشد إليه الأدلة المادية والقرائن المعنوية وهو ما يسمى أصولياً بإشارة النص أو لوازمه)[12]( .

وحتى يتم الترتيل لابد من تحقق التجانس المعنوي بين الآيات المرتلة والتمام العددي لها؛ إذ بذلك فقط يكون الاستقراء تاماً ([13] ) . فالتجانس المعنوي تحكمه مشكلة البحث التي يسعى المفسِّر إلى حلّها. فما يقوم بتكوينه من مصفوفة آيات أو رتل آيات باحث من الباحثين، قد لا يتوافق مع ما يتوصل إليه باحث آخر من مصفوفات أو أرتال آيات. وأما التمام العددي لآيات الرتل أو المصفوفة فهو محكوم باجتهاد الباحث في حده الأعلى. والآن بفضل حوسبة القرآن أصبح من الممكن بلوغ أعداد من الآيات لم يكن في السابق في مكنة الانسان العادي القيام به حتى وإن كان من الحفظة. أما في ما يتعلق بالحد الأدنى من العدد فأقله اثنان؛ وذلك لأنّ الحق عز وجل قد قال محكم تنزيله: ” اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إلي ذِكْرِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (23)”([14]) فإذا جمعنا هذه الآية مع قوله تعالى في سورة النحل: ” وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ (89)”.([15]) وكذلك قوله تعالى في سورة الذاريات: ” وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (49)". ([16]) فيكون المعنى المستنتج من (تدبّر) هذا الرتل أنّ الله سبحانه وتعالى ضمّن هذا القرآن علاج وبيان كل مشكلة تواجهنا في أزواج من الآيات أو في آيتين على الأقل منه فدل ذلك على الحد الأدنى لعدد آيات الرتل المفيد للمعنى.

أدلة طريقة الترتيل والتدبر من القرآن

أما الترتيل فدليله، باستخدام ذات الطريقة، طريقة الترتيل، قوله تعالى في سورة المزمل في الآية الأولي منها وما بعدها: ”يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (1) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (2) نِّصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (3) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (4) إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (5)“ ([17]). وقوله تعالى في سورة الفرقان: ” وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً ۚ كَذَٰلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ ۖ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا (32)”.([18]) يضاف إلى هاتين الآيتين آيات سورة القيامة التي يقول فيها المولى عزّ وجل: ” لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (16) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (17) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (18) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (19)([19] ) . وتوجيه الاستدلال هنا، والذي يأتي عن طريق عملية التدبر، هو أنّ الله سبحانه وتعالى يرشد الرسول صلى الله عليه وسلم (المزمل)، ونحن من بعده، إلى أنّ هذا الأمر الذي بدأ نزوله إليك يا محمد أقم به الليل متفكّراً فيه بعد أن تصفّه صفوفاً، أي تضع بعضه على إثر بعض، فبذلك سنلقي على قلبك معانيه العظيمة. فلا تتعجل عملية الترتيل وكذلك لا تستعجل عملية استبيان المعاني (التدبّر)، فنحن سنتولى عنك كل ذلك([20] ).

وأما التدبر فدليله، أيضاً بذات طريقة الترتيل، يظهر من خلال الرتل التالي من الآيات التي منها قوله تعالى: ” أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (24)”.([21]) و قوله تعالى في سورة النساء : ” أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ۚ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (82)" .

فتوجيه الاستدلال هو أنّ كلمة (يتدبرون) فعل وفاعل للجذر اللغوي (دبر) الذي يأتي بمعنى (مؤخرة) أو (عقب)([22] )، فعلى ذلك يكون معنى كلمة (يتدبرون) والذي يظهر من الآيتين أعلاه هو الوقوف على آخر الآيات المتدبّرة ثم التفكُّر في معانيها في ضوء كل الركام المعرفي للمتدبِّر. فذلك الفعل ( التدبّر)، بتلقائية، يُكسِب المتدبِّر العلم والمعرفة بالحق( [23] ). فالتدبر، كما يبدو من الآيات المذكورة أعلاه، هو عملية تحدث عقب قراءة أي آية من آي القرآن، وهو أيضاَ يحدث عقب تحضير الرتل من الآيات المراد استقاء العلم منها سواء كانت هذه الآيات آيات قرآنية أم آيات كونية؛ إذ إنّ كل منها يفيد العلم بذات الطريقة. وسيجيء بيان ذلك عند تفسير إقرأ لاحقاً.

جدير بالذكر أنّ هناك العديد من الشواهد القرآنية التي تعضّد ما ذهبنا إليه من أنّ عملية استقاء المعاني والعلم من الآيات القرآنية أو الكونية هي عملية أرشدنا الله جل شأنه إليها وأنّها تتم بالطريقة ذاتها التي وصفنا؛ إذ أنّها تحدث أولاً ترتيلاً ثم تليها عملية تدبّر بمعني الوقوف في مؤخرة كل آية من آيات الرتل ثم التفكّر فيها. وحتى نجلي أمر هذه الشواهد القرآنية المعضّدة سنتعامل مع آيات الشواهد القرآنية بالطريقة ذاتها، اي طريقة الترتيل والتدبّر، لنرى مدى منطقية إفادتها للمعني وسلاسته. وعلى ذلك فسنقوم بإيراد رتل الآيات ثم من بعد ذلك نقوم بتوجيه عملية التدبّر فيها آية آية لتتضح من خلال ذلك آلية إفادتها للمعنى.

أولاً : ترتيل الآيات ( تكوين المصفوفات):

”وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ ۚ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ۚ ذَّٰلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا ۚ فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (176).“([24])

”إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّىٰ إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ ۚ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (24).“([25])

”وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا ۖ وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ ۖ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (3).“([26])

”يُنبِتُ لَكُم بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ(11).“([27])

"وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُّوحِي إِلَيْهِمْ ۚ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (43) بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ ۗ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (44).“([28])

”ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا ۚ يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِّلنَّاسِ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (69).“([29])

”وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (21).“([30])

”اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا ۖ فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَىٰ عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَىٰ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (42).“([31])

”وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (13).“([32])

”لَوْ أَنزَلْنَا هَٰذَا الْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ۚ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (21).“([33])

ثانياً: توجيه الاستدلال بالآيات:

خطاب القرآن الكريم في هذه الآيات العشر، وهي حصراً الآيات التي وردت فيها الدعوة إلى التفكّر، التزم نسقاً واحداً وهو: أن يبيّن الله سبحانه وتعالي في صدر الآية المثل أو الآية الكونية أو الأمر المراد التفكّر فيه، ثم يذكّر المخاطبين في آخر الآية بأنّ ما تقدّم هو آية، أي مصدر للعلم، ويستحثهم على التفكّر فيه. فالأمر بالتفكّر في هذه الآيات، الذي هو للندب عند أغلب أهل العلم، لا يمكن الامتثال له من قبل المتفكّر إلا بالرجوع الى الآية القرآنية نفسها التي ورد فيها وصف الآية الكونية بغية استيعاب ذلك الوصف بعمق، ثم الرجوع إلى تلك الآية الكونية والتفكّر فيها، أيضاً، لتحصيل العلم الذي أرشدت إليه الآية القرآنية ومن ثم تتحقق الهداية التي هي ثمرة العلم. فبعبارة أخرى، أنّ تنسيق الخطاب بهذه الطريقة يجعل ترتيب العمليات العقلية التي تؤدي في النهاية إلى حصول العلم، أمراً يحدث بطريقة تلقائية؛ إذ يلفت الشارع نظر المخاطبين إلى أمرين اولهما، الاطلاع على الآية أو المثل ، وثانيهما، التفكّر فيها كوصف نظري في الآية القرآنية ثم الانتقال إلى التفكّر فيها كواقع معاش في الكون؛ وذلك لأنّ التنبيه والأمر بالتفكّر لم يأت إلا في آخر الآية القرآنية في أغلب الأحوال التي أمر فيها المولى عز وجل بالتفكّر، وبذلك يتطابق فعل التفكّر مع معنى التدبُّر الذي اشرنا إليه سابقاً.

المبحث الثاني

تطبيقات عملية للتفسير بالترتيل والتدبر:

اثبت البحث أنّ طريقة الترتيل والتدبّر يمكن تطبيقها بسهولة ويسر ودون الحاجة إلى مؤهلات خاصة في أغلب نصوص القرآن الكريم. ولما كانت المساحة المتاحة في هذه الورقة لا تسمح يإيراد الكثير من الأمثلة، فستكتفي الورقة بالإضافة إلى ما تقدّم من أمثلة بإيراد ثلاث تطبيقات أولها، في معنى الكلمة الأولى في القرآن ” إقرأ“، وثانيها، في فهم بعض فواتح بعض السور القرآنية، واخيراً، في تفسير قوله تعالى ”فاسقيناكموها“، فلعل في أيراد تلك التطبيقات يكون البيان الكافي لإثبات علميّة طريقة الترتيل والتدبّر كمنهجية تفسير.

التطبيق الأول: مقصود الشارع بقوله: ”إقرأ“ في سورة العلق:

إنّ أول كلمة نزلت في القرآن هي ”إقرأ“([34]). فالغموض الذي يكتنف هذه الكلمة هي أنّها نزلت على محمد صلى الله عليه وسلم، الأمّي الذي لا يقرأ ([35])، فكيف نفهم ما المراد بفعل الأمر” اقرأ“؟ فهنا وحتى نجلي معنى كلمة ”اقرأ“ سنقوم أولاً بتشكيل الرتل الأولي ثم نشرع، بعد ذلك، في التدبّر الذي من خلاله سنقوم بتشكيل الارتال الثانوية والتعزيزية.

الرتل الأوّلي:

”اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5). ([36])

” الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (191) “. ([37])

” سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ۗ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (53) “. ([38])

"وَالطُّورِ (1) وَكِتَابٍ مَّسْطُورٍ (2) فِي رَقٍّ مَّنشُورٍ (3) وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ (4)”. ([39])

”ن ۚ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (1)“.([40])

"يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ (19)".([41])

التدبّر:

ليتم تدبر هذه الرتل من الآيات، لابد من أن يتم ذلك في ضوء ما ثبت بالسنة من أخبار. ففي الحديث يروى عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنّ جبريل عليه السلام جاء اليه وأمره بالقراءة بقوله” اقرأ“([42]). فتدبر هذه الكلمة يقود إلى أنّ المقصود بها في سورة العلق محيِّر؛ أذ أنّ المُرْسِل وهو الله والآمر وهو الملك (جبريل) يعلمان أنّ المأمور أمّي لا يقرأ ولا يكتب، فما المقصود بالأمر؟ فحتى نجلي حقيقة ذلك” الأمر بالقراءة” ينبغي أن نحلله في ضوء الألواح أو الكتب التي تقرأ في الحياة الدنيا بواسطة البشر وهي ثلاثة: اللوح المسطور واللوح المحفوظ واللوح المنظور. فإذا كانت هذه الألواح هي حصراً الألواح التي تقرأ في الدنيا، فحتماً سيكون الأمر المفهوم من” أقرأ “هو أمر بقراءة واحد منها، فما هو ؟

أولاً : عندما أمر الملك سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بالقراءة في غار حراء، ظن الرسول صلى الله عليه وسلم أنّ الملك يأمره بقراءة اللوح المسطور وهو الكتب التي تسطّر في الورق، فرد بأنّه ليس بقارئ؛ فلذلك جذبه الملك حتى بلغ منه الجهد ثم اطلقه وأمره بالقراءة مرة أخرى([43]). فالظاهر أنّ الجذب للتذكير هنا بأنّ اللوح الذي تعتقد أنك مأمور بقراءته ليس هو المقصود وإنما المقصود لوح آخر؛ لذلك كرر الملك للمرة الثانية الامر بالقراءة، ولما رد سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام للمرة الثانية بأنّه ليس بقارئ، ايضاً جذبه الملك للمرة الثانية حتى بلغ منه الجهد ثم اطلقه؛ وذلك لأنّ الرسول صلى الله عليه وسلم هذه المرة أيضاً اعتقد أنّه مأمور بقراءة ما في صدر الملك جبريل، وهو ما يعرف باللوح المحفوظ الذي لا يقرأه إلا الله جل شأنه فهو كما قال عن نفسه : "يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ (19)"؛ فالآن الرسول صلى الله عليه وسلم ليس بحاجة إلى تذكير؛ إذ لم يتبق من الألواح التي تقرأ إلا لوح واحد هو اللوح المنظور. لذلك لم يجذبه الملك كما في المرات السابقة وإنما الملك كرر الأمر” أقرأ “وواصل الآيات الى الآية الرابعة من السورة وهي التي مرّ ذكرها عند استعراض الرتل الأولي، فشرع محمد عليه الصلاة وأتم التسليم في القراءة وانصرف الملك. فالنتيجة التي سرعان ما توصل إليها الرسول صلى الله عليه وسلم من قراءته امتثالاً لأمر الله المنقول له عن طريق الوحي الأمين جبريل عليه السلام، هو أنه حصّل معرفة وعلماً جعله يرتعش خشية واشفاقاً مما حُمِّل به من أمانة. فترك الرسول صلى الله عليه وسلم فترة من الزمان يعتاد فيها على كيفية القراءة التي تعلمها وينهل من معينها مزيداً من المعرفة والعلم.

فاللوح المنظور هو الكون المرئي حساً وعقلاً بكل ما يحوي من مفردات. فهو كتاب يقرأ؛ إذ يدل على ذلك تدبر الآيات (١٩١) من سورة آل عمران والآية (٥٣) من سورة فصلت اللتان تقدّم ذكرهما في الرتل واللتان تشيران بوضوح إلى أنّ آيات الله الكونية المنشورة في السماوات والأرض وفي أنفسنا ما هي إلا مصادر معرفة نصبها الله سبحانه وتعالى لنا ككتب مفتوحة ننهل منها العلم عن طريق التفكّر ([44]). فخلاصة الأمر أنّ الله سبحانه يرشد الرسول صلى الله عليه وسلم إلى قراءة كتابه المنظور أو التفكّر في ملكوته ليحصل على المعرفة التي تمكّنه من معالجة المشكلات التي تواجهه في الدنيا والتي بدون معالجتها لن يستطيع أن ينهض برسالته في شقيها التعبدي والإعماري.

فهذا الكتاب الكوني، أي كتاب الله المنظور، هو كتاب يقود إليه العقل السليم وإن لم توجد آيات قرآنية ترشد إليه. فالعقل يقتضي أنّ من يصنع جهازاً يهمه من الناحية الاقتصادية أن يحسن الناس التعامل مع هذا الجهاز وأن يشعروا في استعماله اقصى درجات الرضا المتوقع؛ فذلك هو الأمر الوحيد الذي يضمن له هو، كمُنْتِج، الاستمرار في تسويق جهازه هذا لزمن أطول أو على الأقل حتى يأتي منافس آخر يبتكر جهازاً يحقق رضاً أكبر من الرضا الذي حققه هو. فلذلك نجد أنّ اغلب الشركات المنتجة للأجهزة والمعدات تهتم بتضمين تلك الأجهزة والمعدات الإرشادات والتوجيهات التي تضمن للزبون استعمالاً آمناً ويدوم طوال العمر الافتراضي للمنتج. تفعل الشركات المنتجة ذلك، عادة، بكتابة تلك التوجيهات على لوحات بارزة على الأجهزة مثل التحذير من عدم فتح الجهاز إلا بواسطة فني متخصص أو عدم تعريضه لأشعة الشمس أو البلل. وفي بعض الأحيان ترفق مع الجهاز داخل الصندوق الحافظ له كتيبات ارشادية تحتوي على النصائح التي تلزم للتشغيل الآمن ومعالجة الأخطاء التشغيلية البسيطة. وفي احيان أخرى تقوم بعض الشركات بتخصيص فرق فنية لمساعدة الزبائن في التدريب والصيانة والتعامل مع مشكلات ادارة الأجهزة. فالسؤال الذي يطرح في هذا المقام هو:” هل الله سبحانه وتعالى كصانع لهذا الكون الذي نعيش نحن في جزء منه، لم يقم بوضع اللوحات الإرشادية أو وضع الكتيبات الإرشادية له أو حتي تخصيص الفرق الفنية المرشدة أو المساعدة في عمليات الصيانة والتدريب؟ “الإجابة على هذا التساؤل هي بنعم. فهذا الكون مزوّد بلوحات ارشادية مطبوعة على صفحته في كل الاتجاهات والمناحي وزوّد الله سبحانه وتعالي بني البشر من ساكنيه بالكتب الإرشادية وهي الكتب السماوية التي بدأ نزولها من لدن كلمات آدم التي تلقاها في جبل الرحمة، ”فَتَلَقَّىٰ آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ ۚ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (37)“.([45]) وختاماً بالقرآن الكريم الذي بدأ نزوله ”بإقرأ“ التي نحن بصدد ضبط معناها وختاماً بقوله تعالى: ”... الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ...(3)“.([46]) ولم يكتف الله سبحانه وتعالى بتلك الطرق وإنما أيضاً ارسل الرسل مبشرين ومنذرين ومعلمين وهادين ومرشدين وهم أرفع قدراً من الخبرة الفنية التي توفرها الشركات لمنتجاتها، فهم خبرة فنية عظيمة بعظمة المنتج وهو الكون. فهذه المقاربة التي نقترحها هنا للكون كمنتج رباني بالأجهزة التي تنتجها الشركات، نادت بها من قبل، كنتيجة، مدرسة القانون الطبيعي في فلسفتها لتأصيل القانون حيث قالت افكار هذه المدرسة” أن أصل القانون الوضعي هو القانون الطبيعي والقانون الطبيعي هو مجموعة الأحكام الأبدية والسرمدية التي أودعتها الذات الإلهية في هذا الكون ونصل إليها نحن بني البشر عن طريق التفكير والتأمل“.([47])

وجدير بالذكر أنّ الكون كونه هو كتاب الله المنظور الذي يحوي ملكوت الله المعلوم حساً وعقلاً، هو ليس فقط الكتاب الذي أمر جبريل عليه السلام محمداً عليه الصلاة والسلام أن يقرأه، وإنما هو ذات الكتاب الذي أشار إليه المولى عز وجل في الآية الثانية من سورة البقرة، أي هو ”ألم“ في الآية الأولى من ذات السورة، عندما قال الله سبحانه وتعالى: ” الم (1) ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ (2)“.([48]) فالكتب في الدنيا هي مصادر للعلم والمعرفة ولكنها تتفاوت في درجة إفادتها للعلم والمعرفة فمنها ما يفيد معرفة قد تكون مشكوك فيها في الغالب من الأحوال، وتلك هي الكتب المسطورة، وهذا ما يستفاد من تدبر الآية (٢) و (٣) من سورة الطور والآية (٢) و (٣) من سورة القلم. ومن تلك المصادر المعرفية ما يفيد معرفة وعلماً يقينياً، ومن ذلك الكتاب المنظور والذي هو نفسه” ألم“ المشار إليه في سورة البقرة كما سيجيئ في التطبيق الثاني حالاً. فالقراءة في الكتاب المنظور لأنّها تفيد معرفة يقينية؛ لذلك أشار المولى عز وجل في الآية الثانية من سورة البقرة إلى أنّ هذا الكتاب، أي اللوح المنظور : ” لا ريب فيه هدى للمتقين“. وهذا الربط بين سورة العلق وسورة البقرة خاصة في الآيات الأولى من كلٍ، ليس غريباً؛ وذلك لأنّ سورة العلق هي أول القرآن بترتيبه التنزيلي، وسورة البقرة هي أول الخطاب القرآني التوقيفي فطبيعي أن يتطابق كل من الخطابين ولا يتعارضا.

فخلاصة القول، أنّ ”إقرأ“ لا تعني قراءة آيات الكتاب المسطور وإنما تعني قراءة آيات الكتاب المنظور ” الكون“ التي تتم عن طريق التفكّر والتأمل، وهي تحمل معنى الاستقراء المعروف كطريق بحثي، فهذه القراءة لا يقوم بها إلا أولى الألباب كما يفيد بذلك تدبر كل الآيات القرآنية التي تدعو إلى التفكّر في الآيات الكونية، كما مرّ. والمعرفة التي تستقى بهذا النوع من القراءة (الاستقراء) ومن هذا النوع من المصادر المعرفية هي معرفة دوماً يقينية؛ لأنّها استنتاج مبني على المنهج العلمي الرباني.([49])

التطبيق الثاني: الفواتح الحروفية لبعض السور القرآنية:

فواتح بعض السور القرآنية التي تألفت من حروف فقط، هي مما أشكل على الكثير من المفسرين أن يجدوا لها معنى واضحاً ومنطقياً حسب منهج التفسير الذي يستخدمونه؛ لذا نجد أغلبهم يقرر أنّها حروف مقطعة الله أعلم بمراده منها.[50]( ) فهنا ولأغراض هذا البحث ومنعاً للإسهاب، سأورد مثالين عمليين لتفسير هذه الفواتح نأمل أنّ تفتح الطريق للقارئ للوصول إلى تفسير بقية الفواتح الأخرى باستخدام ذات طريقة الترتيل والتدبّر. وأما الفواتح التي سنقوم بتطبيق طريقة الترتيل والتدبر عليها فهي قوله تعالى في أول سورة البقرة:” ألم“،([51]) وقوله تعالى في أول سورة مريم: ” كهيعص“.([52]) وفيما يلي سنفصل القول في ذلك :

المثال الأول: فاتحة سورة البقرة ” ألم“ :

حتى نقوم بتطبيق طريقة الترتيل والتدبر على هذه الفاتحة من سورة البقرة ومن ثم الوصول إلى معناها لا بد من بناء الرتل القرآني أولاً ثم بعد ذلك نقوم بالتدبّر فيه.

فالرتل القرآني الأولي هنا في هذا المثال يتألف من الخمس آيات المتتابعة التي تبدأ بذات الآية موضوع البحث. أي أنّ الرتل ينبني هكذا: ”الم (1) ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ (2) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (3) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4) أُولَٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (5)”.([53]) فالعلاقة التي قادت إلى بناء هذا الرتل هي علاقة التتابع التي كشف عنها التدبّر وهو ما سنوضحه حالاً.

أما التدبر في الرتل القرآني المختار أعلاه فهي تتم كالآتي:

أنّ” ألم “ كآية بالوقوف في نهايتها فهي ليست إلا أحرفاً غير مفيدة بذاتها لأي معني. فهذه النتيجة تقود بالضرورة إلى النظر إلى الآية التي تعقبها قبل كل شيء، فربما كانت تحوي التتمة التي بها يتضح معنى هذه الأحرف. وبالفعل عند قراءة الآية الثانية التي تعقبها مباشرة، وتدبّرها، نصل إلى أنّها تبدأ بحرف الإشارة ” ذلك“ والمشار إليه هو الكتاب المعرّف بالألف واللام. ولما كان التعريف لا يكون إلا للعهد الذهني أو للعهد الذكري([54])، فإن التبرير الوحيد لتعريف الكتاب المشار إليه بـ (ذلك) لا يكون متسقاً ومنطق اللغة إلا إذا كانت الآية الثانية بمجملها خبر لما ذكر في الآية الأولى. إذن فإنّ النتيجة تكون أنّ ” ألم ” مبتدأ خبره الآية الثانية، أي أنّ ” ألم“ هي ذلك الكتاب الذي من صفاته أنّه لا شك فيه ولا ريب وهو كتاب هداية للمتقين. أو ربما، على اختلاف القراءات، كان المعني أنّ ”ألم“ هو ذلك الكتاب الذي من المؤكد يحوي الهدي للمتقين من البشر. فالتدبّر لهذه الآية الثانية سيقود أيضا ًإلى أنّ هذا الكتاب، على مختلف القراءات، هو ليس المصحف أو القرآن؛ وذلك لأنّ القرآن على القراءة الأولى، الناس يشكّون فيه، ولولا ذلك الشك، لآمنوا به جميعاً ولما كان القرآن في حاجة إلى تحدي البشر بأن يأتوا بسورة من مثله أو بعشر آيات مفتريات([55]). فالتدبّر للآية الثانية من سورة البقرة يقود إلى أنّ ”ألم“ التي هي الكتاب، هي كتاب يفيد علماً يقيني لا يشك فيه وإن كان هذا العلم لا يستقيده إلا المتقين من البشر. أما تدبّر الآية الثانية من سورة البقرة على أساس القراءة الثانية فينتج عنه، أيضاً، أنّ ذلك الكتاب ليس القرآن؛ وذلك لأنّ القرآن كتاب هداية لكل الناس، تقيَّهم وفاجرهم، فالقول بغير ذلك يجعل هذه الآية من سورة البقرة تعارض العديد من آي القرآن الأخرى ومن بينها قوله تعالى: ” شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ“.([56]) ويعارض كذلك قوله تعالى في سورة فصلت: ” وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَّقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ ۖ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ ۗ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ ۖ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى ۚ أُولَٰئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ (44)“.([57]) وكذلك يعارض قوله تعالى في سورة الأعراف: ” وَلَقَدْ جِئْنَاهُم بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَىٰ عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (52)“.([58]) ويعارض قوله تعالى: ” إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا (9)“.([59]) ووجه الاستدلال بهذه الآيات على التعارض هو أن المتقين ليس الناس أجمعين وكذلك هم ليسوا المؤمنين. أما تدبّر الآية الثالثة فيكشف لنا عن صفات (المتقين) من الإيمان بالغيب وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، وهو ما يدل أيضاً على المغايرة بين التقوى والإيمان والاختلاف بينهما في الدرجة؛ إذ التقوى أعظم درجة من مجرد الإيمان ويدل على ذلك قوله تعالى في سورة الحجرات: ”يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)“.([60]) ويؤكد ذلك قوله تعالى في سورة آل عمران: ”يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ (102)“.([61]) أما تدبّر الآية الرابعة من الرتل فيؤكد أنّ المتقين هم من حازوا كل شُعَبِ الإيمان فضلاً عن العمل؛ إذ التقوى هي إتباع سبيل النجاة في الدنيا والآخرة واجتناب سبيل الهلاك في الدنيا والآخرة([62]). فإثباتاً لصفة التقوى فيهم ومنعاً لالتباسها بصفة الإيمان ذكر الله جل شأنه في هذه الآية الرابعة أنّ هؤلاء المتقون يؤمنون بالرسل والكتب السماوية ويؤمنون كذلك باليوم الآخر فبذلك تكتمل عندهم شعب الإيمان جميعاً. فتدبر هذه الآية يستدعي آية أخرى لتضاف إلى الرتل وهي قوله تعالى في سورة الطلاق: ” فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ۚ ذَٰلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ۚ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ ۚ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (3)".([63]) وكذلك قوله تعالى في سورة البقرة آخر آية الدين: ”وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ ۗ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (282)“.([64]) فتدبّر هذه الآيات الأخيرة يقود إلى نتيجة واحدة هي أنّ التقوى هي مقدمة العلم المنطقية التي إن أوفاها العبد حق على الله أن يعلم العبد ما لم يعلم. والآن بالرجوع إلى الآية الثانية من الرتل الأول تكون الهداية المقصودة هناك هي هداية المعرفة والعلم والاستنارة التي يتمكّن بها الفرد، ليس من معالجة مشكلات الإعمار فحسب، وإنما أيضاً مشكلات العبادة، أيضاً، التي تواجهه وتواجه غيره في هذه الحياة الدنيا. وعليه، سيقودنا التدبّر إلى الرجوع إلى الآية الأولى ليصبح واضحاً وجلياً بالنسبة للمتدبّر الآن أنّ (ألم) هي كتاب معرفي يعلِّم المتقين معرفة يقينية لا شك بها. لكل ذلك فإنّ التدبّر في الآية الخامسة والأخيرة يجعل معانيها واضحة جلية وتتمثل في أنّ أولئك المتقون هم الذين يستطيعون قراءة ذلك الكتاب وهم الذين يظفرون بتحصيل ما فيه من معارف وعلوم (هدى)، أي هم الذين يفلحون بذلك وينجحون فيه. ومما يؤكد صحة المعاني المتحصلة بالتدبّر في الآية الخامسة هو أنّ الهدى أينما ذكر في كتاب الله هو ضد الضلال ويقصد به العلم، وللاستدلال نورد ما جاء في قوله تعالى: ” قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَىٰ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ (50)“.([65]) وكذلك ما جاء في سورة الزمر من قوله تعالى: ”الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ ۚ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ (18)“.([66]) وكذلك قوله تعالى في سورة طه : ” إِذْ رَأَىٰ نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى (10)“.([67]) فواضح من تدبّر هذه الآيات الأخيرة أنّ الهدى فيها جميعاً يراد به العلم أي ضد الجهل والضلال([68]).

فالسؤال الذي يطرح في هذا المقام هو: ما هو هذا الكتاب الذي يورث المتقين المعارف اليقينية؟ الإجابة على هذا السؤال ترجع بنا إلى ما تمت مناقشته في معني كلمة ”إقرأ“ في سورة العلق والتي مرت مناقشتها. فللربط بين ما تمت إثارته وما نحن بصدد توضيحه هنا نقول: إنّ القرآن هو خطاب الله سبحانه وتعالى للعالمين المفتتح بسورة الفاتحة والمختوم بسورة الناس. فأول الخطاب هو ليس سورة الفاتحة، فهي فاتحة، بل أوله هو سورة البقرة. والقرآن كذلك قد تم ترتيبه توقيفياً بواسطة الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو ترتيب يختلف عن ترتيبه التنزيلي، أي ترتيبه بحسب نزول الوحي به، فقد مر معنا أن يبدأ بسورة العلق ويختم بآية البقرة. وحري بنا هنا أن نذكر أن هناك علاقة كبيرة بين الترتيبين أو على الأقل بين الترتيبين توافق في المعاني والأهداف وليس بينهما تعارض؛ وذلك لأنّ القرآن لا يتعارض. فاعتماداً على هذه المقدمات نقول أنّ ”ألم“ ككتاب هي كتاب الله المنظور، أي هي الكون الحاوي لملكوت الله المحسوس والمعقول. فـ ”ألم“ بهذا المعنى تقرأ ويتحصل منها معرفة يقينية مبهرة. فقد أثبتت الورقة سابقاً أنّ الرسول صلى الله عليه وسلم قرأها وحصل منها من المعارف ما جعله يرتعش، وقد قرأها قبله سيدنا إبراهيم عليه السلام عندما كان يبحث عن الذات الإلهية، فكان يقرأ آيات هذا الكتاب المنظور آية آية حتى استقر عند الآية التي أفادته اليقين بالله. فقد قال تعالى: ” وَكَذَٰلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (75) فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَىٰ كَوْكَبًا ۖ قَالَ هَٰذَا رَبِّي ۖ فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (76) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَٰذَا رَبِّي ۖ فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (77) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَٰذَا رَبِّي هَٰذَا أَكْبَرُ ۖ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ (78) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا ۖ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (79)"([69]).

فالخلاصة أنّ ” ألم“ هي ليست مجرد أحرف استهلالية وإنما هي الكتاب الذي يحوي المعرفة اليقينية التي حق على الله تعليمها للمتقين من عباده ليهتدوا بها في هذه الحياة الدنيا وليفوزوا بها في الدار الآخرة. فعلى الرغم من أنّ طريقة الترتيل والتدبر هنا قد أجلت معنى الآية الأولى من سورة البقرة، إلا أنّها لم تقف عند ذلك الحد بل ربطت بين ”ألم“ و ”أقرأ“ في سورة العلق. فملكوت الله هو آيات كتاب الله المنظور الذي قرأه محمد صلى الله عليه وسلم وقرأه من قبله إبراهيم عليه السلام. فبذلك يكون الكتاب قد تم تعريفه تعريفاً نافياً للجهالة، ولكن حتى لا يتشعّب البحث في هذه الورقة التي تستهدف فقط بيان طريقة الترتيل والتدبر نترك مسألة التعمق في تعريف ذلك الكتاب تعريفاً جامعاً مانعاً إلى عمل بحثي آخر. وعليه سنكتفي بما تقدّم هنا وننتقل إلى مثال آخر من أمثلة تطبيق طريقة الترتيل والتدبّر في التفسير.

المثال الثاني: فاتحة سورة مريم ” كهيعص“:

حتى نجلي معنى هذه الفاتحة ينبغي علينا أولاً أن نحدد الرتل الأولي ثم نشرع بعد ذلك في التدبر الذي يقود إلى إلأرتال الثانوية والتعزيزية.

فالرتل الأولي يتألف من الآيات الست الأولى من سورة مريم وهي كالآتي:

كهيعص (1) ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (2) إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا (3) قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (4) وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا (5) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ ۖ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (6).([70])

التدبر في الآية الأولى من الرتل الأولي أعلاه ”كهيعص“، كآية، بالوقوف في نهايتها، لا يستنتج المتدبّر منه غير أحرف غير مفيدة بذاتها لأي معني. فهذه النتيجة تقود بالضرورة، كما مر معنا في تفسير (ألم)، إلى النظر إلى الآية التي تعقبها، قبل كل شيء، فربما كانت تحوي التتمة التي بها يتضح معنى هذه الأحرف. فبالنظر إلى الآية الثانية من سورة مريم يتضح لنا أنّ ” كهيعص“ مبتدأ خبره الآية الثانية؛ إذ القول بهذا افضل من القول بأنّ كلمة ”ذكر“ خبر مرفوع لمبتدأ محذوف تقديره (هذا)[71]( ). فالقول بذلك يجعل اسم الإشارة (هذا) كمقدّر محذوف يشير إلى معدوم. أمّا القول بأنّ الآية الثانية كلّها خبر للآية الأولى، فهذا يتسق مع قواعد اللغة العربية والمنطق السليم، وتخريج ذلك أنّ كلمة ” ذكر“ خبر ، وهو مضاف وكلمة ”رحمت ”مضاف إليه. وأيضاً كلمة ” رحمت“ مضاف ورب مضاف إليه. وأيضاً كلمة ” رب“ مضاف والكاف مضاف إليه؛ ولذلك جاءت كلمتا ”رحمت“ و ” ربك“ مخفوضتان. أمّا كلمة” عبد“ فهي مفعول به للمصدر ” ذكر“. فكلمة ”عبد“ مضاف والهاء الضمير المتصل مضاف إليه يشير إلى الذات الإلهية.([72] ) و كلمة ”زكريا“ بدل من عبده([73] ). وهنا يجب أن نشير إلى أنّ ”رحمة“ بالتاء المربوطة تختلف عن ”رحمت“ بالتاء المبسوطة؛ إذ ”رحمة“ بالتاء المربوطة هي صفة من صفات الذات الإلهية[74]( ) ، وهي أثر من آثار ”رحمت“ بالتاء المبسوطة والتي هي الذات الإلهية، وهي التي ترحم([75] ). وعلى هذا يكون معنى الآية الثانية من سورة مريم أنّ: ” كهيعص هي ذكر الله بتجليات الذات الرحيمة لعبده زكريا“. فذكر الله لعباده هو أمر ليس بمستغرب حيث قال تعالى: ” فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ (152)”.([76]) فذكر الله لعباده هو في الغالب استجابة لذكرهم، فإذا كان ذكرهم دعاءاً وتضرعاً، كان ذكر الله لهم استجابة لذلك الدعاء، وهذا هو عين ما يُفسَّر به كلمة ”ذكر“ في الآية الثانية، والذي يتسق تماماً مع مبدأ ” ادعوني استجب لكم“ الذي تشير اليه العديد من آيات القرآن إضافة إلى ما ذكر. ومن تلك الآيات قوله تعالي: ” وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (186)“.([77]) وأيضاً قوله تعالى في سورة الأعراف: ”ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (55) وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا ۚ إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ (56)”.([78]) فالتدبّر في الآيات الرابعة والخامسة والسادسة من سورة مريم يكشف أنّ زكريا عليه السلام كان يرجو الله ويدعوه مناجياً له؛ وهذا هو معنى النداء الخفي الذي ذكره تعالى في الآية الثالثة من سورة مريم([79] ). فالسؤال الذي يطرح في هذا المقام هو: ماذا يعني قول الذات الإلهية ” رحمت الله“ كهيعص؟ الإجابة على هذا السؤال، ليست مفيدة في ذاتها بالنسبة لنا كبشر؛ إذ يستوي بالنسبة لنا كبشر أن تكون استجابة الله لدعاء عبده بقول، مهما كان، أو فعل، أياً كان، أو بغيرهما. ولكن مع ذلك، فإنّ تدبرنا للآية (٧) من سورة مريم التي قال فيها الله عز وجل: ” يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَىٰ لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا (7)”، يشير إلى أنّ تلك هي استجابة الله لدعاء زكريا عليه السلام؛ إذ المُنَادِي في تلك الآية هو الله. ومن ثم يكون ذلك هو تفسير قوله ” كهيعص“. وبعبارة أخرى، أنّ ” كهيعص“ تعني أنّ الله سبحانه وتعالى بتجلّيات ذاته الرحيمة استجاب لتضرّع عبده زكريا بقوله يا زكريا إنّا نبشرك بغلام اسمه يحي لم نجعل له من قبل سميّا. فالقرآن الكريم غالباً ما يذكر لنا أقوال الذوات غير البشرية مفسّرة باللغة العربية ” لغة القرآن“ دون أن يذكر لنا القرآن كيف قالت تلك الذوات غير البشرية تلك الأقوال في اللغات الأصلية التي تتحدثها بين بني جنسها. فقد قال تعالى في سورة النمل: ” حَتَّىٰ إِذَا أَتَوْا عَلَىٰ وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (18)”.([80]) وقد قال ايضاً المولى عز وجل حكاية عن سليمان عليه السلام في حواره مع الهدهد: ” فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (22)”.([81]) ففي كل تلك المناسبات كانت هذه الذوات تخاطب سيدنا سليمان بلغتها هي التي لا نعرفها نحن، وإن ذكرت لنا، ولكن سيدنا سليمان عليه السلام كان يعرفها؛ وذلك لأنّ الله سبحانه وتعالى قد قال: ” وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ ۖ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ ۖ إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ (16)”.([82]) فهذه الآية تعود بالذهن إلى تدبّر الآية (٦) من سورة مريم حيث قال تعالى: ” يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ ۖ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (6)”، والتي يفيد تدبّرها أنّ سيدنا زكريا لم يكن يقصد هنا أن يدعو الله سبحانه وتعالى أن يهبه ولد، ولكنه، بحق، دعا الله أن يهبه ولي كما جاء ذلك نصاً في الآية (٥) التي جاء فيها: ” وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا (5)“. ويؤيده ما جاء في الآية (٧) حيث قال ”يرثني ويرث آل يعقوب“، والذي يفسر هنا بأنّ يرثهم في العلم؛ إذ الأنبياء لا يورثون المال كما جاء ذلك في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم : ”نحن معشر الأنبياء لا نورث وما تركناه صدقة“.([83] ) وأيضا تدبّر الآية (٨) يضيف مؤكداً جديداً وهو أنّ سيدنا زكريا عليه السلام لم يكن يطلب من الله ولداً ولكن الله منحه ذلك كرامة وفضلاً منه؛ وذلك ظاهر من الدهشة التي اصابته عليه السلام عندما جاءته استجابة ” رحمت الله“، فقال متعجباً: ” قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا (8)”.

حري بالبيان أنّ ”رحمت الله“ قريب من المحسنين، كما جاء في سورة الأعراف: ”وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا ۚ إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ (56)“.([84]) فرحمت الله تأتي بطريقين اولهما وهبي من عنده تعالى الذي وسعت رحمته كل شيء كما قال: ” وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَٰذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ ۚ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ ۖ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ۚ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (156)“.([85]) وقد وقع هذا مع سيدنا إبراهيم عندما وهبه الله سبحانه وتعالى اسحق عليه السلام. قال تعالى: ”وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِن وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ (71) قَالَتْ يَا وَيْلَتَىٰ أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَٰذَا بَعْلِي شَيْخًا ۖ إِنَّ هَٰذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ (72) قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ۖ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ ۚ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ (73)". ([86]) فالشاهد في هذه الآيات أنّ ” رحمت الله“ وهبت سيدنا إبراهيم عليه السلام وزوجته سارة سيدنا اسحق على الرغم من كبرهما في السن بأمره تعالى وبركة منه دون دعاء من سيدنا إبراهيم وزوجه. فعمل ” رحمت الله ” هنا بهذا الطريق ليس قاصراً على الأنبياء وإنما بنص آية سورة الأعراف السابق ذكرها يكتب لكل مؤمن تقي مزكي. وقد وقع أيضاً مع السيدة مريم عليها السلام فقد وهبها الله سيدنا عيسى عليه السلام دون دعاء أو رجاء منها حيث قال جل شأنه: ”قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا (19) قَالَتْ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (20) قَالَ كَذَٰلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ ۖ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِّلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِّنَّا ۚ وَكَانَ أَمْرًا مَّقْضِيًّا (21)”.([87]) أما الطريقة الثانية التي تتجلى بها ”رحمت الله“ فهي طريقة الدعاء، أي أنّ ” رحمت الله“ تتجلى في شكل استجابة. وقد حدث ذلك مع سيدنا زكريا وقد أوردنا الآيات الدالة على تلك الاستجابة. وقد عبّر عن ذلك سبحانه وتعالى بوضوح في سورة البقرة بقوله : ”إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَٰئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (218)”.([88]) وإذا كان العمل الوهبي لـ ” رحمت الله“ يعمل بعد تحقق شروط الإيمان ايتاء الزكاة والتقوى، فإن التضرّع ورجاء عمل ” رحمت الله“ يتم بالإيمان وبالهجرة والجهاد في سبيل الله، كما هو ظاهر نص الآية (٢١٨) من سورة البقرة.

خلاصة القول أنّ كهيعص هي استجابة الذات الإلهية بتجليات ” رحمت الله“ وتبشيرها سيدنا زكريا بيحيى. وقد قصد الشارع أن يبيّن لنا أنّ استجابة الذات الإلهية بتجليات ” رحمت الله“ ليست قاصرة على الانبياء فقط ولا تقتصر آثارها على الأولاد فقط وإنما رحمته تعالى وسعت كل شيء وتظهر آثارها في حياة الأرض بعد موتها بفعل المطر وقد تظهر في العلم والتسخير. وهي كما تكون عمل وهبي يستحقه العبد بالإيمان والتقوى وإيتاء الزكاة، تنال بالتضرع والدعاء بشرط أن يكون المتضرّع مؤمناً مهاجراً ومجاهداً في سبيل الله.

التطبيق الثالث: تفسير عبارة ”فأسقيناكموه“ في سورة الحجر:

قال تعالى: ” وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ (22)“([89]) : كلمة فأسقيناكموه في هذه الآية هي فعل وفاعل ومفعولين، أي هي جملة كاملة فضلاً عن أنّها من أطول كلمات القرآن الكريم مثلها مثل كلمة ”فسيكفيكهم“ في سورة البقرة . فالكلمة بذاتها لا تعني غير أنّ الله وهو الفاعل، أي هو من أسقى الناس الماء الذي أنزله من السماء. ولكن بترتيل هذه الآية مع آيات أخرى، نصل إلى قصد المولى عز وجلّ من هذه الصياغة، وهو أنّ الماء النازل من السماء وحده هو النافع لسقيا الإنسان في كل زمان ومكان.

فحتى نجلي هذا المعني نقوم أولاً ببيان الآيات التي يتكون منها الرتل الأوّلي ثم نعرج بعد ذلك إلى عملية التدبّر في هذا الرتل لاستنباط المعاني ومن ثم تكوين الأرتال الثانوية والتعزيزية، وذلك كما يلي:

أولاً: الرتل الأوّلي:

يتشكّل الرتل الأولي بتدبّر الآية موضوع البحث إذ يتضح هنا أنّ كل الآيات التي تتكلم عن الماء سوءا من حيث مصدره أو من حيث الغرض من استخدامه ينبغي أن تكون جزءاً من هذا الرتل. وعلي ذلك فإنّ الرتل الأولي سيتألف كما يلي:

”أفرأيتم الماء الذي تشربون* أأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون* لو نشاء جعلناه أجاجا فلولا تشكرون“.([90])

”وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (79)“.([91])

”الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّن نَّبَاتٍ شَتَّىٰ (53)“.([92])

”هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً ۖ لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ(١٦)“.([93])

”أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُوا شَجَرَهَا ۗ أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللَّهِ ۚ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ (60)“.([94])

”وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَٰذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَٰذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ ۖ وَمِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا ۖ وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (12)“.([95])

”وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ ۖ وَإِنَّا عَلَىٰ ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ (18) فَأَنشَأْنَا لَكُم بِهِ جَنَّاتٍ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَّكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (19)".([96])

ثانيا: التدبر:

تدبّر الرتل المتقدّم من الآيات ينتج عنه أنّ الماء الصالح للشرب على سطح الأرض بالنسبة لكل مستهلكاته من بشر وشجر وزروع أخرى وحيوانات هو ما ينزله الله سبحانه وتعالى من السماء مباشرة أو ما ينزله من السماء ويحفظه لنا للغرض المتقدّم، أي الشرب، في مخازن من صنعه هو اللطيف الخبير. أما الماء الآخر الذي ترونه كمستأخرين فما هو إلا آية ولكنه لا يصلح للشرب على الرغم من صلاحيته لأشياء أخرى كمجرى للفلك ومستخرج للكنوز والنفائس من حلي ولؤلؤ ومرجان. وهو وإن صلح سمكه للأكل فلا يصلح ماؤه للشرب والسقياء أي الري. فعلى ما تقدّم يكون المعني المدمج لعبارة (فأسقيناكموه): فجعلناه الماء الوحيد الصالح للشرب والري على الأرض([97]).

قد يعترض معترض على أنّ الآية تتحدث عن البشر، فمن أين جئتم بالحيوانات والشجر وغيرها. الاعتراض على الرغم من وجاهته إلا إنّه قصر النظر فقط على أية سورة الحجر. وعلى أي حال، فإنّ إجراء عملية التدبّر توصل إلى أنّ الماء الصالح للشرب والسقيا، هو ماء نازل من السماء فقط، وحتي ما يخرج من الينابيع الأرضية من ماء هو أصله من السماء وخُزن بمعرفة الخالق. كما يتوصل أيضاً باستقراء ذلك الرتل بطريقة تدبّريّة، إلى أنّ استخدام هذا الماء ليس مقصوراً على الانسان فقط وإنما هو شامل للحيوان والزروع ؛ لذا فيكون المفعول به الأول الجمعي المشار إليه بالضمير (كم) في فأسقيناكموه يشير إلى البشر والحيوان والزرع. وأما المفعول به الثاني المفرد المشار إليه بالضمير (الهاء|) المتصلة يشير إلى الماء العذب دون المالح، وذلك واضح من آية سورة الواقعة وسورة فاطر في الرتل المبيّن أعلاه، وهو لا يخالف ما ذهب إليه المفسرون من حيث شمول السقيا للكل.

من جهة أخرى، قد يعترض معترض بأنّ هذا التفسير متكلّف؛ وذلك لأّنّ العالم الآن قد توصل بفضل تطبيقات تقنيات التحلية إلى استخدام مياه البحر في الشرب والري وغيرها، وعليه يكون هذا التفسير مخالفاً للواقع. فالرد على ذلك ببساطة يكون بأنّ ليس كل ما اعتقد الانسان أنّه مفيد، فهو كذلك في الحقيقة والواقع. فكم من ابتكار بشري ظننا أنّه معجز ونعمة، فإذا به ينقلب، بعد حين، إلى نقمة علينا، والأمثلة على ذلك لا تقع تحت حصر ولكن يجدر بهذه الورقة أن تشير هنا إلى قوله عز وجل في سورة الروم: ”ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (41)“.([98]) وتوجيه تلك الاشارة هو أن ارشادات الله سبحانه وتعالى لنا في كتبه السماوية ما هي إلا وصفات (روشتات) ترشدنا إلى كيفية معالجة مشكلات الأرض حتى نتمكّن من القيام بوظيفتي الإعمار والعبادة. فكون البشر لا يلتزمون تلك الوصفات، فهذا، أولاً، لا يعيب تلك الوصفات؛ لأنّ البشر مخيّرون في العمل بها أو عدمه. وقد قال في ذلك الله عز وجل: ”إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)“. ([99]) ومن ناحية ثانية، كذلك، كون البشر لايلتزمون تلك الوصفات، فلا يعني أنّها غير صحيحة، ولكنه ينبيء بأنّهم سيلجأون إلى بدائل لتلك الوصفات وحينئذٍ يقع الفساد في البر والبحر، حيث إنّ طريق النجاة الوحيد والحيلولة دون وقوع ذلك الفساد هو التزام الوصفات الربانية وعدم الركون إلى ما ينتجه تفكيرنا المنبت عن النصوص والتوجيهات الربانية.

وللاستطراد نقول إنّ ماء البحر فضلاً عن أنّه ملح أجاج فهو ماء قديم مخزون بطريقة لا تجعله آمناً للشرب ومثله أيضاً، المياه الأخرى، غير ماء البحر التي يتم تخزينها بطريقة غير صحيحة فهي لا تصلح، معها، للشرب. ومن أمثلة تلك المياه الأخرى الماء العذب الآسن. فتخزين الماء بطريقة صحيحة يتم في باطن الأرض كما أشار إلى ذلك القرآن في قوله تعالى : ”وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ ۖ وَإِنَّا عَلَىٰ ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ (18)“. ([100]) والتي أوردناها ضمن الرتل الأولي المذكور أعلاه. وكذلك قوله تعالى في سورة الشعراء: ”وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (129)“.([101]) قيل أنّ المصانع هي خزانات الماء الضخمة التي تحفر في باطن الأرض([102]). ولعل من ذهب إلى ذلك صرف كلمة مصانع عن حقيقتها إلى المجاز لينصب من ذلك إشارة إلى أن تلك هي الطريقة المثلى لتخزين الماء لأوقات الحاجة ولمدد زمنية طويلة دون أن يصبح آسناً. ولكن المصانع حقيقة تعني المنشآت التي تصنع فيها المنتجات وذلك لأنّ جذرها اللغوي صنع والتي تعني ابدع وعمل وخلق.([103])

فخلاصة القول في معنى قوله تعالى : ”فأسقيناكموه“ أنّه جل شأنه أراد أن يقول لنا أنّه هو من أنزل هذا الماء العذب، الصالح للسقيا حصرياً، وحفظه لنا على الأرض وفي باطنها إلى وقت الحاجة لاستخدامه في شربنا وشرب الحيوانات التي على الأرض وكذلك لري مزروعاتنا وما على الأرض من نبات شتى.

بعض الاعتراضات المتوقعة والرد عليها :

قد يعترض البعض على هذه الطريقة بأنّها لا تضيف جديداً خاصة وأنّ القانونيين يعرفون طريقة مماثلة للتفسير تسمى طريقة تقريب النصوص، وهي ذات الطريقة المعروفة عند الأصوليين والمسماة بمفهوم الإشارة ([104]). وقد يعترض البعض أيضاً بأنّ الطريقة معروفة وممارسة سواء في تفسير القرآن أو غيره من النصوص الأخرى قانونية كانت أو خلافه. ففيما يلي نرد على هذه الاعتراضات تباعاً، فلعل ذلك يضيف مزيداً من الوضوح للطريقة ولو على صعيد التمييز بينها وبين غيرها مما يمكن أن يلتبس بها.

أولاً، فيما يتعلق بالاعتراض بأنّ هذه الطريقة هي ذاتها طريقة تقريب النصوص التي يستخدمها القانونيون في تفسير النصوص والمباديء القانونية القانونية، هو اعتراض وجيه من حيث قيام الشبه بين الطريقتين، بل أنّ الباحث استفاد كثيراً من معرفته بطريقة تقريب النصوص القانونية في التفسير للوصول إلى طريقة الترتيل والتدبّر في القرآن الكريم. ولكن، يظل هناك اختلاف كبير بين الطريقتين من ناحية طريقة التطبيق ومن ناحية دقة النتائج.

أما فيما يتعلق بطريقة التطبيق فإنّ القانوني على الرغم من أنّه يقرِّب النصوص بعد تدبرها أولياً، إلا أنّ تدبره الأولي هذا لا يقود إلى مزيد من الترتيل الإيضاحي الذي يجعل استقراء النصوص المرتلة كاملاً، كما في طريقة الترتيل والتدبر، وإنما هو ترتيل انتقائي يستهدف في الغالب من الأحوال استبعاد النصوص التي تتعارض مع الرتل القائم؛ والذي ، غالباً، يكون بسبب إلغائها، صراحة أو ضمناً، أو بسبب احتوائها على اخطاء تصحيفية تجعل من المستحيل تطبيقها إلا بعد تدخل الشارع وتصحيح ما قام بها من أخطاء. وعلى ذلك فإنّ طريقة تقريب النصوص لا تقوم إلا على ارتال نصية مؤلفة باستقراء ناقص، كما أنّ ما هو قائم من نصوص، الآن، كجزء من الرتل التفسيري، قد يتخلف غداً بسبب إلغائه، أو الغاء بعض أفراده. فالخلاصة أنّ الترتيل يختلف كماً وكيفاً، وجموداً ومرونة بين التفسير القانوني والتفسير القرآني وهذا ما يلقي بظلاله على دقة النتائج التي يتم التوصل إليها من تلك الأرتال المؤلفة في كلٍ.

فالصعوبات التي تكتنف تشكيل رتل النصوص في التفسير القانوني تقود إلى عدم دقة النتائج التي يتم التوصل إليها بطريقة تقريب النصوص أو، على الأقل، تجعل المتلقي يشك في دقتها وقابليتها للاستمرار واستدامتها. ومن ناحية أخرى، قد يقول قائل أنّ طريقة تقريب النصوص في القانون، مع ذلك، هي طريقة مستخدمة وفعّالة. فالجواب إنّ ذلك صحيح في احوال نادرة جداً؛ حيث يفيد تقريب النصوص التخصيص أو التقييد أو الاستثناء، أمّا كون التقريب يؤدي إلى انتاج معنى إضافياً جديداً، فهذا يكاد ينعدم تماماً في أغلب المدارس القانونية. فاستخدام طريقة الترتيل والتدبر كطريقة للتوصل إلى مقاصد ومفاهيم جديدة، هو خاصية تتعلق فقط بالقرآن، وهي التي تجعله صالحاً لكل زمان ومكان لوجود صفة التجدّد هذه والتي لا يمكن التوصل إلى تفعيلها إلا بالترتيل والتدبّر الدائم، أو كلما مست الحاجة إليه. فخلاصة القول أنّ هذه الطريقة وإن كانت مستخدمة في القانون فهي مستخدمة بطريقة تنسجم مع طبيعة الصياغة القانونية الإنسانية المحدودة المختلفة، بطبيعة الحال، عن الصياغة القرآنية الربانية الكاملة. وكذلك فإنّ استخدام طريقة تقريب النصوص القانونية التي تشبه طريقة الترتيل والتدبّر القرآنية، يتم في نطاق ضيق جداً في مجال تطبيق القانون وبطريقة يصعب معها التأكد من صدقية النتائج التي يتم التوصل إليها.

ثانياً ، أمّا الاعتراض بأنّ طريقة الترتيل والتدبّر هي ذاتها "طريقة استفادة المعني بطريق اشارة النص" المعروفة عند الاصوليين، فهو اعتراض وجيه بيد أنّه غير صحيح؛ إذ أنّ الأصولي عند استخدامه لمفهوم الاشارة فهو لا يسعي سعياً متبصّراً إلى تشكيل الأرتال وإنما يستنج بطريق اللزوم المعاني الزائدة التي تشير إليها النصوص مجتمعة. فهذا العمل التفسيري، من حيث الناتج التدبري ” الاستنتاج“، يتفق تماماً مع طريقة الترتيل والتدبّر، ولكنه يختلف معها من حيث مقدمات الاستنتاج وكيفية تشكيلها؛ إذ يقدح في مفهوم الاشارة ذات ما يقدح في طريقة تقريب النصوص، إذ في كل منهما يتم تشكيل الأرتال باستقراء ناقص فمن ثم هذ يقدح ذلك بدوره في دقة النتائج التي يتم التوصل إليها. ومن الجدير بالذكر أنّ هذه الورقة قد استفادت من مفهوم الاشارة في تطوير فكرة هذا البحث وساعد مفهوم الاشارة كطريق من طرق التفسير كثيراً في ضبط وتشكيل الأرتال، خاصة، الثانوية أو التعزيزية. فخلاصة القول أنّ التفسير بطريق الاشارة يختلف عن التفسير بطريقة الترتيل والتدبر، وإن كان ثمة تشابه بين الطريقين، فهو يقوم في الجانب التدبّري ونتيجته. وأمّا الاختلاف بينهما فهو يكمن في جانب تكوين الأرتال الذي هو في مفهوم الاشارة جزئي وناقص بينما هو في طريقة الترتيل والتدبّر كلي وتام.

من ناحية ثالثة، فإنّ الاعتراض قد يكون بالقول أنّ هذه الطريقة، التي أطلقت عليها الورقة مصطلح الترتيل والتدبر، هي طريقة معروفة وممارسة من جانب القانونين أو الأصوليين وغيرهم.

فهذا الاعتراض صحيح من حيث أنّ الترتيل معروف لدي كل من يعرفون القرآن إلا أنّ اغلبهم يتعاملون معه على أنّه تنغيم القرآن عند الجهر بقرائته.([105]) والتدبّر أيضاً معروف وهو يعني عند أغلب من يتعاملون مع القرآن على أنه مطلق التفكّر والتأمل في القرآن. ولكننا لانسلّم، مع ذلك، بأنّ هذه الورقة لم تأت بجديد في هذ المضمار ؛ وذلك لأنّ الورقة كشفت عن أنّ الترتيل لا يعني التنغيم وإنما يعني تكوين المصفوفات (الأرتال) الأولية والثانوية والتعزيزية والتي يجرى عليها التدبّر، بالمعنى الذي كشفت عنه الورقة، والذي يقود إلى استنتاج المعاني والمقاصد من وراء النصوص المرتّلة. وكذلك الورقة أيضاً أتت بجديد فيما يتعلق بمعنى التدبّر؛ حيث كشفت أنّ التدبّر ليس مطلق التفكّر والتأمّل في النصوص ولكن هو الوقوف في أعقاب النصوص ثم تأمّلها والتفكّر فيها من ذلك الموقع بغية الوصول إلى العلاقات التي ينتجها النص مع النصوص القائمة معه في نفس الرتل أو النصوص التي يشير إليها من خارج هذا الرتل بحيث يشكّل معها أرتال ثانوية تفيد معاني أخرى أو أرتال تعزيزية تؤكّد ما تم التوصل إليه من معاني من خلال تأمّل الرتل الأولي. فكيف لا تكون طريقة الترتيل والتدبر، بهذا الوضع، طريقة جديدة؟ فهي طريقة جديدة في مستواها التطبيقي على الرغم من قِدَمُها كتوجيه رباني نزل به القرآن. فهذا النوع من الجِدَّة في العلوم القرآنية مرحب به، في اعتقادي، إذ أنّ القرآن لا تنقضي عجائبه([106])، اي علومه المبهرة، فهو لا يعتريه القدم والبلى وهذا هو سر صلاحيته لكل زمان ومكان وبقاءه ككتاب خاتم.

وأخيراً فإنّ الاعتراض قد يتمثل في أنّ طريقة الترتيل والتدبر ما هي إلا طريقة تفسير القرآن بالقرآن المعروفة كمنهج تفسير يعمل به كل المفسرين.

فإجابة على ذلك الاعتراض نقول أنّ الطريقة تتضمن ما يعرف بتفسير القرآن بالقرآن؛ غير أنّ تفسير القرآن بالقرآن يقتصر على التعامل مع النصوص التي لها علاقة مباشرة مع بعضها البعض؛ وذلك كتفسير الطارق بالنجم الثاقب في قوله تعالى في سورة الطارق : ” وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ (1) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ (2) النَّجْمُ الثَّاقِبُ (3)".([107]) وتفسير ” المتقون“ في أول سورة البقرة بأنّهم الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقهم الله ينفقون وهم المؤمنون بمحمد وبالقرآن وبالكتب السماوية وباليوم الأخر، كما جاء بعدها من آيات هي قوله تعالى في سورة البقرة: ”ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ (2) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (3) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4)".([108])

لا شك أنّ التفسير التدبّري هو تفسير للقرآن بالقرآن ولكنّه لا يقتصر عليه؛ إذ أنّ الكثير من آيات القرآن لا يمكن فهمها بتدبّر الآيات القرآنية فقط وإنما لا بد من تدبّر الآيات الكونية الأخرى، إذ أنّها تلعب دوراً كبيراً في فهم النص القرآني. فالفهم الصحيح للآيات الكونية يؤدي الى الفهم الدقيق للآيات القرآنية، وأيضاً الفهم الصحيح للآيات القرآنية يؤدي إلى الفهم الدقيق والصحيح للآيات الكونية. فلذلك فإنّ التفكّر التدبّري المطلوب لفهم القرآن هو ليس تفكراً تدبريّاً في آيات القرآن فحسب وإنما هو تفكّر تدبري في آيات الكون أيضاً. فقد قال تعالى: "وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۗ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (189) إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (191)“.([109]) فطريقة تفسير القرآن بالقرآن لا تُعنى كثيراً بالآيات الكونية وهي تبحث في تفسير الآيات القرآنية ([110])، بينما في طريقة الترتيل والتدبّر فالمُفسِّر يُعْنَى بالنوعين من الآيات بل ويهتم بعمليات تكوين الأرتال وتمحيصها بالتدبّر مراراً وتكراراً حتى يتيقن أنّه قد استقرأ استقراءاً تاماً لكل الآيات القرآنية واختبر مدى صدقية ما يتوصل إليه من معاني على عدد لا بأس به من الآيات الكونية كلما أمكنه ذلك. فطريقة الترتيل والتدبّر كطريقة تفسيرية، كما سبق، هي الطريقة التي أشار بها المولى عز وجل على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بوصفها الذي تناولناها به بالنص حيث قال جل شأنه: ” لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (16) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (17) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (18) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (19)".([111]) فتدبر هذه الآيات يعني بوضوح أنّ بيان معاني القرآن ومضامينه سيتولاها الله، أما نحن كمرسل إلينا هذا القرآن ليس علينا لبلوغ تلك النتيجة التي تعهدها الله، إلا أن نتتبع (تدبرياً) هذه النصوص المجموعة(المرتلة) فسيعلمنا الله مراميها ومقاصدها. فهذه الطريقة الواضحة والتي هي في حقيقتها هي طريقة الترتيل والتدبر، التي تبشر بها الورقة، هي وإن اتفقت مع طريقة تفسير القرآن بالقرآن جزئياً إلا أنّها مختلفة عنها تماماً من حيث الدقّة وكذلك من حيث التأصيل؛ إذ أنّ آيات سورة القيامة تعتبر دليلاً نصياً مباشراً على طريقة الترتيل والتدبّر، هذا فضلاً عن الأدلة الأخرى التي وردت في صدر هذه الورقة. أمّا طريقة تفسير القرآن بالقرآن، فلا شاهد عليها إلا التطبيقات المباشرة. فالحق يقتضي ألا نترك ما وردت به النصوص القطعية، وأن نتبعه مثلما نتبع ما هدانا إليه التطبيق والممارسة، فاذا حكمنا على الأخير بأنهّ أفضل وأجل أنواع التفسير([112])، فلا أقل من أن نحكم على طريقة الترتيل والتدبّر بأنّها كذلك لاستنادها لذات الأصول.

الخلاصة:

طريقة الترتيل والتدبّر كطريقة تفسير هي طريقة أرشد إليها القرآن وتقوم على تشكيل مصفوفات (أرتال) من الآيات القرآنية بطريقة أوّليّة ثم الشروع في تدبّرها بالوقوف على أخرها ومن ثم التفكّر فيها وسبر غور العلاقات بينها وبين آيات الأرتال الجديدة، ثانوية كانت أو تعزيزية، والتي يتم بناؤها حسبما تقتضيه عملية التدبّر وضبط نتائجها. فطريقة الترتيل والتدبّر هي طريقة مختلفة عن طرق تحصيل المعاني من النصوص بمفهوم الإشارة وكذلك مختلفة عن طريقة تقريب النصوص المعروفة في تفسير القانون وكذلك تختلف عن طريقة تفسير القرآن بالقرآن. فالتدبّر، كمكّون رئيس في طريقة الترتيل والتدبّر، هو أمر معروف ومستخدم من قبل المفسرين بمختلف مدارسهم ولكنهم كانوا يمارسونه دون مقدمته المنطقية وهي الترتيل والتي في الغالب من الأحوال كانت مهملة من قبل أغلب المفسرين؛ لأنّهم ما كانوا يعطون الترتيل معناه الذي اعطته له الطريقة في ثوبها الجديد الذي قدمته هذه الورقة. فبذلك أصبحت الآن طريقة الترتيل والتدبر طريقة علمية منهجية تقوم على إجراءات واضحة ولها وسائلها الصارمة في اختبار واقعية ودقة النتائج التي تتوصل إليها. نأمل أن تكون هذه الورقة قد فتحت الطريق لمزيد من الأبحاث النقدية في هذا المضمار والتي نطمح في أن تجوِّد تطبيق الطريقة. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.


المصادر

1. القرآن الكريم.

2. أبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الشاطبي، الموافقات، ج 1، دار ابن عفان.

3. إسعاد كوريم، تفسير القرآن بالقرآن: دراسة في المفهوم والمنهج، الموقع الالكتروني لملتقى أهل التفسير < https://vb.tafsir.net/tafsir10657/#.XpoNDevivIU > تاريخ الزيارة 18/4/2020.

4. إسماعيل بن عمربن كثير، تفسير القرآن العظيم، ط 1: 2000، دار إبن حزم.

5. جمهورية مصر العربية، الإدارة العامة للمعجمات وإحياء التراث، المعجم الوسيط، ط 4: 1425/2004، مكتبة الشروق الدولية.

6. الحسين بن مسعود البغوي، تفسير البغوي معالم التنزيل، ج 1، دار طيبة : 1409.

7. عبد الفتاح عبد الباقي(١٩٦٦)، نظرية القانون، الطبعة الخامسة، القاهرة.

8. عبد الله بن هشام ، شرح قطر الندي وبل الصدى، ط4، دار الكتب العلمية : بيروت، 2004.

9. عصام بن صالح العويد ،فن التدبر في القرآن الكريم، مركز التدبر للاستشارات التربوية والتعليمية، ط3: 2010.

10. على بن محمد الآمدي، الاحكام في أصول الإحكام، ج3 ، دار الصميعي ، ط1: 2003.

11. سلمان بن عمر السنيدي، تدبر القرآن، مجلة البيان، ط2: 2002.

12. محمد بن أحمد بن إبي بكر القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج1 ، ط1: 1427/2006، مؤسسة الرسالة.

13. محمد بن إبي بكر بن عبد القادر الرازي، مختار الصحاح ، مكتبة لبنان ، 1986.

14. محمد الأمين بن محمد المختارالشنقيطي، تفسير القرآن بالقرآن من أضواء البيان، دار الفضيلة السعودية، ط1: 2005.

15. محمد بن إسماعيل البخاري، صحيح البخاري، دار ابن كثير ، بيروت: 2002.

16. محمد بن جرير الطبري، تفسير الطبري من كتابه من جامع البيان عن تأويل آي القرآن، ج6،ط1: مؤسسة الرسالة، 1994.

17. محمد بن مكرم بن منظور، لسان العرب ، دار صادر بيروت، ج 4

18. محمد الطاهر بن عاشور،التحرير والتنوير، الدار التونسية للنشر 1984 ، ج 29 .

19. محمد بن عمر الزمخري، تفسير الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، دار المعرفة بيروت، ط3: 2009.

20. محمد بن عيسى بن سورة الترمذي، جامع الترمذي، بيت الأفكار الدولية للنشر والتوزيع :1999.

الهوامش:

[1] أبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الشاطبي، الموافقات، ج 1، دار ابن عفان، ص39. [2] محمد الأمين بن محمد المختارالشنقيطي، تفسير القرآن بالقرآن من أضواء البيان، دار الفضيلة السعودية، ط1: 2005، ص 26 وما بعدها ؛ إسعاد كوريم، تفسير القرآن بالقرآن: دراسة في المفهوم والمنهج، الموقع الالكتروني لملتقى أهل التفسير < https://vb.tafsir.net/tafsir10657/#.XpoNDevivIU > تاريخ الزيارة 18/4/2020. [3] محمد بن أحمد بن إبي بكر القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج1 ، ط1: 1427/2006، مؤسسة الرسالة، ص7. [4] الحسين بن مسعود البغوي، تفسير البغوي معالم التنزيل، ج 1، دار طيبة : 1409، ص9. [5] المرجع السابق، ذات الموضع. [6] المرجع السابق، ذات الموضع. [7] اسعاد كوريم ، المرجع السابق، ذات الموضع. [8] سورة القمر، الآية (٢٢). [9] د. عبد الفتاح عبد الباقي(١٩٦٦)، نظرية القانون، الطبعة الخامسة، القاهرة، ص105. [10] جمهورية مصر العربية، الإدارة العامة للمعجمات وإحياء التراث، المعجم الوسيط، ط 4: 1425/2004، مكتبة الشروق الدولية، مادة رتل، ص327. [11] محمد بن مكرم بن منظور، لسان العرب ، دار صادر بيروت، ج 4، ص 273؛ محمد بن إبي بكر بن عبد القادر الرازي، مختار الصحاح ، مكتبة لبنان ، 1986، مادة دبر، ص 83؛ قارن: سلمان بن عمر السنيدي، تدبر القرآن، مجلة البيان، ط2: 2002، ص11 وما بعدها؛ عصام بن صالح العويد ،فن التدبر في القرآن الكريم، مركز التدبر للاستشارات التربوية والتعليمية، ط3: 2010، ص40. [12] على بن محمد الآمدي، الاحكام في أصول الإحكام، ج3 ، دار الصميعي ، ط1: 2003 ، ص82 وما بعدها. [13] الشاطبي، المرجع السابق، ص18، ص28. [14] سورة الزمر آية(٢٣)؛ تفسير الطبري من كتابه من جامع البيان عن تأويل آي القرآن، ج6،ط1: مؤسسة الرسالة، 1994، ص380. [15] سورة النحل،آية (٨٩)؛ إسماعيل بن عمربن كثير، تفسير القرآن العظيم، ط 1: 2000، دار إبن حزم، ص 1073. [16] سورة الذاريات، الآية (٤٩)؛ الحسين بن مسعود البغوي،تفسير البغوي معالم التنزيل، ج 7، دار طيبة الرياض، 1412، ص 379. [17] سورة المزمل، الآيات من (1٫-5)؛ تفسير الطبري، المرجع السابق، ج7، ص393؛ إبن كثير، المرجع السابق، ص1929. [18] سورة الفرقان، آية (٣٢).تفسير البغوي، المرجع السابق، ص ؛ تفسير القرطبي، المرجع السابق،ج 15، ص406؛ تفسير البغوي، المرجع السابق، ج 6 ، ص83. [19] سورة القيامة الآيات (16-19)؛ محمد الطاهر بن عاشور،التحرير والتنوير، الدار التونسية للنشر 1984 ، ج 29 ،ص 349. [20] ترجح لدينا أنّ معنى الترتيل هو وضع آيات القرآن بعضها إثر بعض وفاقاً لقول مجاهد المنقول عنه في الطبري والقرطبي والبغوي؛ وذلك لتوافقه مع الوضع، وخلافاً لقول ابن عباس وقتادة اللذان يريان أن الترتيل يعني التفسير والتفريق الذي لا دليل عليه إلا سياق الآية32 من سورة الفرقان وهو معني اذا اعتمد لصعب على أساسه تفسير الترتيل في سورة المزمل. راجع قول مجاهد تفسير البغوي وتفسير القرطبي وتفسير البغوي السابق الإشارة إليهما في الهوامش 17-18؛ وراجع ايضاً في خصوص رأي قتادة وإبن عباس رضي الله عنه راجع محمد الطاهر بن عاشور ، المرجع السابق، ج 19، ص18 وما بعدها . [21] سورة محمد، آية (٢٤). [22] مختار الصحاح ، مادة دبر، ص83؛ القاموس المحيط، مادة دبر، ص269. [23] الطبري ، المرجع السابق، ج7، ص44. [24] سورة الأعراف، آية (176). [25] سورة يونس، آية (24). [26] سورة الرعد، آية (3). [27] سورة النحل، آية (11). [28] سورة النحل، الآيات (٤٣-٤٤). [29] سورة النحل، الآية (٦٩). [30] سورة الروم، آية (٢١). [31] سورة الزمر، آية (٤٢). [32] سورة الجاثية، آية (١٣). [33] سورة الحشر، آية (٢١). [34] الطبري ، المرجع السابق، ج7، ص 544 وما بعدها. [35] الطبري، المرجع السابق، ج 6، ص 80. [36] سورة العلق الآيات من (1-5). [37] سورة آل عمران، الآية (١٩١). [38] سورة فصلت، الآية (٥٣). [39] سورة الطور، الآيات (١-٤). [40] سورة القلم، الآية (١). [41] سورة غافر، الآية (١٩). [42] محمد بن إسماعيل البخاري، صحيح البخاري، دار ابن كثير ، بيروت: 2002، ص7. [43] البخاري، المرجع السابق، ذات الموضع. [44] راجع ما سبق ذكره من آيات التفكّر في المبحث السابق. [45] سورة البقرة، الآية (٣٧). [46] سورة المائدة، الآية (٣)؛ راجع تفسير البغوي، المرجع السابق، ج3، ص12ومابعدها. [47] د. عبد الفتاح عبد الباقي، المرجع السابق، ص١٢٥؛ د. سمير عبد السيد تناغو ( 1974) النظرية العامة للقانون، منشأة المعارف، الإسكندرية، ص ١٧٥. [48] سورة البقرة، الآيات (١-٢). [49] راجع في درجة العلم المستقاة من الاستقراء الموافقات للشاطبي، المرجع السابق، ص28. [50] تفرقت الاقوال في هذه الفواتح إلى واحد وعشرين قولاً جمعها صاحب التحرير والتنوير الشيخ محمد الطاهر بن عاشور، المرجع السابق، ج 1، ص 206 وما بعدها [51] سورة البقرة، آية (١). [52] سورة مريم، آية (١). [53] سورة البقرة، الآيات (١-٥). [54] عبد الله بن هشام ، شرح قطر الندي وبل الصدى، ط4، دار الكتب العلمية : بيروت، 2004، ص 110. [55] " أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ ۖ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (13)" (سورة هود). [56] سورة البقرة، آية (١٨٥). [57] سورة فصلت، آية (٤٤). [58] سورة الأعراف، آية (٥٢). [59] سورة الاسراء، آية (٩). [60] سورة الحجرات، آية (١٣). [61] سورة آل عمران، (١٠٢). [62] الجرجاني ، التعريفات، المرجع السابق ، ص58. [63] سورة الطلاق، الآيات (٢-٣). [64] سورة البقرة، آية (٢٨٢). [65] سورة طه، الآية (٥٠). [66] سورة الزمر، الآية (١٨). [67] سورة طه، الآية (١٠). [68] إبن كثير، المرجع السابق، ص 1207؛ تفسير الطبري، المرجع السابق، ج 5، ص186. [69] سورة الأنعام، الآيات (٧٥-٧٩). [70] سورة مريم، الآيات (١-٦). [71] محمد ين عمر الزمخري، تفسير الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، دار المعرفة بيروت، ط3: 2009، ص 631؛ محمد بن أحمد بن أبي بكر القرطبي ، المرجع السابق، ج 13، ص 406. [72] القرطبي ، المرجع السابق ، ج13، ص407. [73] المرجع السابق، ذات الموضع. [74] محمد بن عبد الله بن بهادر الزركشي، البرهان في علوم القرآن ، دار أحياء الكتب العربية عيسى البابي اللحلبي وشركائه: بيروت، ج1، ص 410. [75] المرجع السابق، ات الموضع. [76] سورة البقرة، آية (١٥٢). [77] سورة البقرة، آية (١٨٦). [78] سورة الأعراف، الآيات (٥٥-٥٦). [79] القرطبي، المرجع السابق، ص407؛ الزمخشري، المرجع السابق، ص632. [80] سورة النمل، الآية (١٨). [81] سورة النمل، الآية (٢٢). [82] سورة النمل، الآية (١٦). [83] صحيح البخاري، المرجع السابق، باب الفرائض، حديث رقم (6726)، ص 1667. [84] سورة الأعراف، آية (٥٦). [85] سورة الأعراف، آية (١٥٦). [86] سورة هود، الآيات (٧١-٧٣). [87] سورة مريم، الآيات (١٩-٢١). [88] سورة البقرة، آية (٢١٨). [89] سورة الحجر، آية (١٥). [90] سورة الواقعة، الآيات(٦٨-٧٠). [91] سورة الشعراء، الآية (٧٩). [92] سورة طه، آية (٥٣). [93] سورة النحل آية (١٦). [94] سورة النمل، آية (٦٠). [95] سورة فاطر، آية (١٢). [96] سورة المؤمنون، آية (١٩). [97] ابن كثير، المرجع السابق، ص1045؛ الزمخشري، المرجع السابق، ص560، البغوي، المرجع السابق، ج 4، ص376. [98] سورة الروم، آية (٤١). [99] سورة الإنسان، آية (٣). [100] سورة المؤمنون، آية (١٨). [101] سورة الشعراء، آية (١٢٩). [102] الطبري، المرجع السابق، ج5 ، ص521؛ ابن كثير، المرجع السابق، ص1377. [103] المعجم المحيط، المرجع السابق، مادة صنع، ص525 وما بعدها؛ مختار الصحاح، المرجع السابق، مادة صنع ، ص155. [104] على بن محمد الآمدي، المرجع السابق ، ج3، ص82. [105] سليمان بن عمر السنيدي، المرجع السابق، ص116. [106] راجع متن الحديث في جامع الترمذي، حديث 2906 (ضعيف الاسناد)محمد بن عيسى بن سورة الترمذي، جامع الترمذي، بيت الأفكار الدولية للنشر والتوزيع :1999، ص464. [107] سورة الطارق، الآيات(1-3). [108] سورة البقرة، الآيات (٢-٤). [109] سورة آل عمران، الآيات (١٨٩-١٩١). [110] محمد الأمين الشنقيطي، المرجع السابق، ص613، ص35، اسعاد كوريم ، المرجع السابق، ذات الموضع. [111] سورة القيامة، الآيات (١٦-١٩). [112] محمد الأمين الشنقيطي ، المرجع السابق، ص 5.

7 views0 comments

Recent Posts

See All

الفقاعة العملاقة التي نعيش فيها The universe is a big bubble

الفقاعة العملاقة التي نعيش فيها د. عباس محمد طه الصديق تكمن أهمية هذا الموضوع في أنّه أصبح محل اهتمام متزايد من المهتمين بالعلوم التطبيقية كالفيزياء. ذلك الاهتمام المتزايد أدى إلى أن تتداخل المجالات ح

 

Subscribe Form

0096871552118

  • Facebook
  • Twitter
  • LinkedIn

©2020 by Dr Abbas El Siddik. Proudly created with Wix.com