Search

التضخم في الاقتصاد الاسلامي الأسباب والحلول

Inflation

Causes and Remedies in Islamic Economy

د. عباس محمد طه الصديق

استاذ مشارك ، جامعة السلطان قابوس

e-mail:abbaselsiddik@yahoo.com.au

elsiddik@squ.edu.om


مستخلص


التضخم كأحد المشكلات التي اضحت تؤرق مضجع كل الاقتصادات - بغض النظر عن ضعفها أو قوتها - تعامل علماء الاقتصاد التقليدي معها مبكراً من حيث تعريفها واسبابها ومن ثم اقتراح الحلول الكفيلة بحلها.

ما توصل إليه العلماء من حلول لمشكلة التضخم ، حتى الآن، لا يمكن أن يطلق عليه نظرية، على الأقل، لأنه لم ينجح إلا في معالجة بعض التشوهات الاقتصادية وفي بعض الدول، بل في الكثير من الدول الأخرى ازداد الأمر سوءاً.

هذه الورقة، وباستقراء ما تم التوصل إليه من اسباب وحلول لمشكلة التضخم حاولت تقييم المشكلة من وجهة نظر الاقتصاد الاسلامي ومن ثم كشفت عن اسبابها الحقيقية وعلاجها من خلال النصوص القرآنية.

أهم النتائج التي توصلت إليها هذه الورقة : أن علاج التضخم في الاقتصاد الاسلامي يتم بقوانين تحرّم بعض الانشطة وتعيد بناء الاقتصاد على أساس هيكلي يختلف كلياً عن هيكل الاقتصاد التقليدي من حيث الجوهر والأهداف وإن شابهه من حيث الممارسة والتطبيق والمصطلحات.

إضافة إلى ما ذكر أعلاه إجمالاً من نتائج توصلت إليها الورقة، فإن الورقة تعد تأكييداً للاستخدام التبادلي للتحليل الاقتصادي كمنهج بحث ليس لزيادة الجسم المعرفي القانوني بتغذيته بأفكار اقتصادية، وإنما لحل المشكلات الاقتصادية بفكر قانوني صرف.

الكلمات المفتاحية: التضخم، الاقتصاد الاسلامي، التوازن ، الحلقات الاقتصادية المتوازنة.

Abstract

Inflation

(Causes and remedies in Islamic economy)

Dr Abbas Mohamed Taha El Siddik

Associate professor, Sultan Qaboos University

Inflation is one of the major problems that have been demonstrating resistance to all sorts of scientific treatments in the conventional economy. Yet, scientists have started dealing with the problem early especially in terms of exploring its causes, evaluating remedies suggested so far, or crafting new solutions.

However, the produced knowledge, so far, about inflation is difficult to be described as theory; due to its humble success in some affected countries while disastrous effects have been reported in others.

This paper, empirically, explores and critiques causes and remedies for the phenomenon and tries to put forward what was uncovered in Islamic economy sources as a cure and immunization at the same time.

An important outcome for this paper is that solutions for inflation in the Islamic economy were enacted legislatively by prohibiting some economic activities and restructuring the state economy to become harmonized with the Islam values and laws notwithstanding the use of the same terminology as the conventional economy as long as the core and goals of each are different.

In addition, the results are shown in this paper count towards and affirm the mutual utilization of the economic analysis as a research methodology not just to magnifying the body of knowledge in economy, but also, to solving economic problems by pure legal thought.

Keywords: inflation, Islamic economy, equilibrated economic cycle, equilibrium.


التضخم الاقتصادي

(الاسباب والحلول من وجهة نظر الاقتصاد الاسلامي)

مقدمة

أصبح التضخم من أعقد المشكلات التي تواجه المجتمعات ليس في اقتصادات دول العالم الثالث فقط بل وحتى في دول العالم المتقدم. فعلى الرغم من حداثة الظاهرة إلا أن العديد من الدراسات قد أجريت عليها والعديد من الحلول قد اقترحت لها، ولكن تلك الحلول لم تحقق إلا نجاحاً محدوداً سرعان ما تعود بعده آثار التضخم لتظهر بصورة أسوأ مما كان عليه الحال قبل تجريب الحل المقترح.

من هنا طرأ التساؤل الذي قاد إلى هذه الورقة وهو: لماذا يستعصي التضخم على المعالجة؟ فالإجابة على هذا التساؤل تقتضي بالضرورة الإجابة على عدد من التساؤلات الأخرى، مثل : ما هي الاسباب الحقيقية التي تنتج ظاهرة التضخم؟ هل استهدفت المعالجات السابقة هذه الاسباب؟

هناك العديد من الدراسات السابقة التي تعهدت ظاهرة التضخم بالبحث والتحليل سواء في الاقتصاد التقليدي أم في الاقتصاد الاسلامي. فأغلب هذه الدراسات اهتم بتعريف الظاهرة وتقصي أسبابها ومن ثم اقتراح الحلول لها، إلا أنّ تلك الدراسات، باستقرائها، لم يحالفها الحظ في الوصول إلى المعالجة الناجعة لعدم اهتمامها بالمسلمات القانونية التي تؤثر بصورة مباشرة في انتاج الظاهرة.

فهذه الورقة باتباع المنهج الاستقرائي قامت بتقصي أسباب الظاهرة وتحليلها ومن ثم الوصول إلى السبب الحقيقي وراء انتاج الظاهرة، ومن ثم اقتراح المعالجة.

اتبعت الورقة الخطة التالية في الوصول إلى نتائجها:

· تعريف التضخم

· أسباب التضخم في الدراسات السابقة

· السبب الحقيقي للتضخم من وجهة نظر الاقتصاد الاسلامي

· المنهج الاسلامي لاستئصال سبب التضخم الحقيقي بتحقيق التوازن بين حلقات الاقتصاد

· تحليل النتائج وبيان الآثار

· الخاتمة

تعريف التضخم

التضخم ظاهرة حديثة اقتصادياً. لم يستقر الفكر الاقتصادي على تعريف جامع مانع لها حتى الآن – على قدر من ما وسعنا البحث في ذلك – ولعل ذلك هو السبب الذي جعل الفكر الاقتصادي عاجزاً عن تشخيص أسبابها ومن ثم ابتداع حل ناجع للمشكلة. فمعرفة سبب المشكلة هو كل الحل ؛ إذ قيل: "إذا عرف السبب بطل العجب" كيف لا والسبب هو ما يلزم من وجوده الوجود ومن عدمه العدم لذاته[1] .

فباستقراء التعريفات المتعددة التي ذكرها المعاصرون من علماء الاقتصاد، وبالنظر إلى الانتقادات التي وجهت إليها ، نعتقد أن التعريف الذي يمكن أن نستبين منه ملامح الظاهرة ومن ثم الوقوف على حقيقتها هو تعريفها بأنها : ضعف القوة الشرائية للنقود[2].

أسباب التضخم :

يذكر علماء الاقتصاد العديد من الاسباب للتضخم نذكر منها :

الزيادة في النفقات العامة في المجالات الإدارية والعقيمة التي لا تنتج في الأجل القصير[3].

تمويل النفقات العسكرية[4].

زيادة كمية الأوراق النقدية التي تصدرها البنوك المركزية عن التغطية المعدنية لها[5].

زيادة الطلب الكلي على السلع والخدمات بحيث يتجاوز العرض الكلي لهذه السلع والخدمات[6].

الارتفاع التلقائي في نفقات الانتاج [7].

تفشي البطالة المقنعة وسوء توزيع الدخل القومي بحيث تصرف رواتب وأجور وتعويضات لبعض العاملين دون أن ينتجوا منتجاً سواء كان سلعة أو خدمة بقيمة المال المدفوع لهم[8].

اخفاق الأجهزة الرسمية في الحفاظ على التناسب المعقول بين التدفقات النقدية وتدفقات الناتج الحقيقي على المستوى الكلي[9].

بالنظر إلى الاسباب المذكورة أعلاه نجدها تمثل نتائج للتضخم أكثر منها اسباباً له؛ لذلك ، في رأيي ، أن الجهد الضخم الذي بذل من قبل أولئك العلماء لمعالجة ظاهرة التضخم ، كان عبارة عن تسكين لأعراض تلك الظاهرة ولم يكن استئصالاً لأسبابها الحقيقية.

ما هي الاسباب الحقيقية للتضخم ؟

باستقراء أسباب التضخم التي أثارتها الدراسات السابقة توصلت الورقة إلى أنّ هناك سبب وحيد للتضخم ألا وهو اختلال التوازن بين حلقات الأقتصاد (الانتاج والتداول والإستهلاك)، فزيادة الانتاج في ظل ندرة أو انعدام الاسواق يؤدي إلى زيادة العرض على الطلب الأمر الذي يؤدي في نهاية المطاف إلى توقف الانتاج. وكذلك ندرة الإنتاج أو توقفه يؤدي إلى زيادة الطلب على العرض مما يقود إلى زيادة الاسعار.

كما أن زيادة الاستهلاك أو الاستهلاك المفرط يؤدي إلى زيادة الطلب الأمر الذي يؤدي إلى زيادة الاسعار. والعزوف عن الاستهلاك يؤدي إلى زيادة العرض، الأمر الذي يؤدي بدوره إلى التأثير سلباً في الانتاج استجابة لتباطؤ الطلب.

أما زيادة حلقات التداول فتؤدي إلى زيادة تكلفة الانتاج بسبب المضاربات المتعددة في السلعة أو الخدمة قبل وصولها إلى المستهلك ومن ثم استئناف السلعة أو الخدمة دورة اقتصادية جديدة .

هذه العناصر الثلاث في الاقتصاد التقليدي لم تنل نصيبها من البحث والتمحيص، خاصة، من ناحية تأثيرها في التضخم. بل، على العكس، بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وانزواء الفكر الاشتراكي راجت أفكار الحرية الاقتصادية الأمر الذي أدى إلى تحصين هذه الحلقات الثلاث عن أي تدخلات يمكن أن تقيّد منها أو تحجّمها. كما أدى ذلك التحول الفكري، أيضاً،إلى أن يرى الباحث الاقتصادي نفسه مرتداً فكرياً إن هو نزع إلى انتقاد أي من سياسات التحرير الاقتصادي أو نادى بتقييد أي من نواحيه أو أنشطته.

كما أنه من ناحية أخرى، فإنّ الغالبية من مفكري الاقتصاد الاسلامي ينزعون إلى تصوير الاقتصاد الاسلامي على أنه اقتصاد هجين ينتهج منهجاً وسطياً يجمع بين محاسن كل من المدرسة الاشتراكية والمدرسة الرأسمالية ويتفادي عيوب كل منهما. هذه النزعة أضرّت بالفكر الاقتصادي الاسلامي كثيراً سواء من ناحية التنظير أو من ناحية التطبيق.

فنظريا، أنّ أغلب فقهاء الاقتصاد الاسلامي يسلكون في بحثهم للمشكلات الاقتصادية منهجاً غير سديد ؛ إذ أنهم لا ينطلقون في أبحاثهم للمشكلات الإقتصادية من منطلقات إسلامية. بل، على العكس، ففي كثير من الاحيان يتم التعرف على المشكلات الاقتصادية على أنّها مشكلات بالنظر إليها بعين المفكر التقليدي، في حين أن ما صُوِّر على أنّه مشكلة، هو حسب منطلقات الفكر الاسلامي، ليس كذلك بل هو أمر مرغوب فيه. من ذلك، مثلاُ، مشاركة القطاع الخاص الدولة في الأنشطة الاقتصادية... استخدام النظام المصرفي كوسيلة مطلقة لتداول الاموال.. إلخ. ففي أواخر السبعينات من القرن الماضي ظهرت حمى البنوك الاسلامية كمنتج موازي للبنوك التجارية، فعلى الرغم من ذلك تكاد تنعدم البحوث أو المقالات التي تناقش فكرة بيت مال المسلمين. فعلى العكس من ذلك، فإن هناك العديد من المقالات والأبحاث تنادي بفكرة البنك الاسلامي الدولي كمنتج موازي لمؤسسات التمويل العالمية كالبنك الدولي وصندوق النقد الدولي.

أما من الناحية التطبيقية فنجد أنّ جلّ التركيز انصب على حلقة التداول من حيث تصنيف المعاملات إلى معاملات ربوية وغير ربوية وليتهم أفلحوا في تصنيفها على وجهها الصحيح[10]. فمن ناحية أنهم جاروا البنوك التقليدية في تنظيمها للعمل المصرفي؛ حيث لم يخرجوا عن وظيفة تلك البنوك التي تتمثل في كونها مؤسسات تخلق الربح من خلال إيداع النقود وتمويل الأنشطة الاقتصادية. ومن ناحية أخرى تذرعوا لتحقيق ذلك الربح (الفائدة) ببعض المعاملات التي صُنّفت على أنها اسلامية، كالمرابحة والمضاربة وغيرها. فنتج عن كل ذلك في المحصلة النهائية زيادة غير مرغوب فيها في حلقة التداول مما انعكس بدوره على اسعار السلع والخدمات، الأمر الذي أسهم في زيادة التضخم بتحريكه لمؤشر الطلب إيجاباً بصورة زائفة ومن ثم زيادة تكلفة انتاج السلعةالأمر الذي يحسبه العديد من الإقتصاديين سبباً للتضخم [11].

ملخص القول[في اعتقادي] أنّ الاقتصاد الإسلامي هو اقتصاد ذو ملامح خاصة يرتكز على القيم الاسلامية السمحة، كلياً وجزئياً، وعلى وجه الخصوص يقوم على مبدأ: " عدم الاسراف والتبذير" . هذا المبدأ هو الذي يميز الإقتصاد الاسلامي الذي تقوم دورته على ذات الحلقات الثلاث التي يقوم عليها أي اقتصاد تقليدي. فتقييد هذا المبدأ لدورة الاقتصاد هو الذي يضمن له توازنه ومن ثم وقايته ليس فقط من التضخم ولكن من كل الامراض الاقتصادية الأخري .

فلمزيد من التوضيح فإن حلقة الانتاج في الاقتصاد الاسلامي، وهي الحلقة التي تبدأ منها الدورة الاقتصادية، لا ينبغي أن تحرر بحيث يجوز للدولة أو الأفراد أن ينتجوا ما شاءوا وبالكمية والنوعية التي يريدون، ولكن هذه الحلقة مقيدة بعدم الاسراف في الإنتاج وألا يؤدي هذا الانتاج إلى التأثير في مواعين الاقتصاد الأخرى سلباً. إما حلقة الاستهلاك فهي كذلك مقيدة بذات المبدأ بحيث لا يجوز للإفراد الاسراف في الاستهلاك ولو كان هذا الاستهلاك استهلاكاً ادخارياً على الرغم من أنه قد يصنف لدى البعض على أنه حلقة من حلقات التداول. وأخيراً حلقة التداول، فهي أيضاً في الإقتصاد الاسلامي مقيدة مثل غيرها من الحلقات الأخري بمبدأ عدم الاسراف والتبذير، ولكن تطبيق المبدأ هنا يختلف عن تطبيقه في الحلقتين السابقتين. فحلقة الانتاج وحلقة الاستهلاك الأصل فيهما الإباحة، أي الجواز؛ إذ ذلك الذي يتسق مع الفطرة وضرورات حفظ النفس بل كل الضروريات الخمس. ولعل هذا يسوّغ لنا القول بأن حلقة الانتاج عندما يتعلق الأمر بالانتاج الحربي تتحرر حتى من قيد الإسراف والتبذير فيجوز الانتاج ولو كان في ذلك اسرافاً عملاً بقوله تعالى: "وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم." فحلقة التداول تختلف عن حلقتي الانتاج والاستهلاك في أن الاصل فيها المنع وليس الإباحة. فيترتب على ذلك أن تكون الانشطة التي تتألف منها هذه الحلقة هي أقل الانشطة عدداً وأقصرها زمناً وأكثرها تقييداً.

المنهج الاسلامي في تحقيق التوازن بين حلقات الاقتصاد:

سنوضح هذا المنهج من خلال مناقشة الإباحة والمنع للحلقات الثلاث في الاقتصاد بدءاً من المبدأ العام الذي يقيدها جميعا، كما مر، وصولاً إلى أصلية المنع في حلقة التداول فيما يلي:

المبدأ العام:

نناقش أولاً المبدأ العام وهو : "عدم الاسراف والتبذير" ثم ندلف لمناقشة أدلة تقييد حلقتي الانتاج والاستهلاك بهذا المبدأ على الرغم من أن الاصل فيها الاباحة، ثم نختم بمناقشة أدلة المنع كأصل يحكم حلقة التداول.

فعدم الاسراف والتبذير كمبدأ أصله قوله تعالى : " إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ ۖ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا 27"[12]. فتقييد هذا المبدأ لحلقات دورة الإقتصاد الاسلامي ترجع إلى حرص الشريعة الاسلامية على حماية ما يعرف بالضروريات الخمس. فالضروريات الخمس هي الدين والنفس والمال والعقل والنسل التي عرفتها كل الأديان وقواعد الاخلاق والأعراف الاجتماعية على أنها مصالح لا يمكن التضحية بها؛ لذا فإننا نجد أن النصوص الدينية والنصوص القانونية تحرّم أو تجرّم الكثير من أنواع الانتهاكات التي تشكل تهديداً لأي منها. فعلى الرغم من أن بعض القوانين التي تفصل الدين عن الدولة تضع ضرورة الوطن أولاً وتؤخر ضرورة الدين، إلا أن ذلك لا يعني، في تلك القوانين، أن الدين ضرورة غير جديرة بالحماية. فالمحافظة ، عموماً ، على هذه الضروريات الخمس غالباً ما يتم بنصوص جنائية الأمر الذي يشف عن أنها تمثّل مصلحة لكل الجماعة وليست مجرد مصلحة خاصة لفرد أو أفراد من الجماعة لهم أن يتنازلوا عنها أو يساوموا عليها أو يضحوا بها وقت شاءوا؛ ولعل ذلك سبب تنظيمها بالقوانين الجنائية. فلما كانت النصوص القانونية والدينية، في الغالب من الأحوال، تنص على التحريم، كما هو الحال بالنسبة لهذه الضروريات الخمس، فإن وجوب اتيان الافعال التي تؤدي إلى المحافظة على تلك الضرورات الخمس يفهم بالاقتضاء من ذلك التحريم. فعليه يكون الانتاج ومن ثم الاستهلاك ليس فقط مباحاً وإنما هو واجب إن أدى الامتناع عنه إلى انتهاك ضرورة من تلك الضروريات الخمس. فخلاصة الأمر أن المحافظة على الضرورات الخمس تقتضي إباحة كل ما يؤدى إلى المحافظة عليها.

فإذا كانت الاباحة هي حكم الانتاج والاستهلاك، فإن هذا الحكم ليس بمطلق وإنما هو مقيّد بمبدأ عدم الاسراف والتبذير الذي يعتبر أصلاً من أصول الدين وقد جاء ذكره في الكثير من الآيات والأحاديث النبوية الشريفه. من ذلك قوله تعالى في سورة الأعراف: " يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (31"[13] وقال تعالي أيضاً في سورة الأعراف: "قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ ۚ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (32) قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ(33) "[14].

كما أن هناك عدداً ليس بالقليل من الأحاديث النبوية الشريفة التي ينهي فيها الرسول صلى الله عليه وسلم عن الاسراف والتبذير، من ذلك قوله صلى الله عليه وسلم : " كلوا واشربوا والبسوا وتصدقوا في غير إسراف ولا مخيلة."[15]

وإن كان مبدأ عدم الاسراف والتبذير يقيّد حلقتي الانتاج والاستهلاك سلباً، أي بجعل الانتاج والاستهلاك محرماً عندما يكون محض اسراف وتبذير، إلا أن هذا القيد المطلق فيما يتعلق بحلقة الانتاج نجده مقيّداً بألا يكون الانتاج حربياً. بعبارة أخرى فإنّ الانتاج الحربي في الاقتصاد الاسلامي لا يقيّده مبدأ الاسراف والتبذير، أي ينحسر عنه القيد ويعود إلى الاطلاق. فدليل ذلك هو ما جاء في قوله تعالى في سورة الأنفال: " وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ۚ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ( 60) "[16]. ومما يجدر ذكره هنا أن العديد من الابحاث تنظر إلى الانفاق العسكري كسبب من أسباب التضخم كما مر معنا في بداية هذه الورقة[17].

أما بالنسبة لحلقة التداول في الاقتصاد الاسلامي فهي ، على العكس من حلقتي الانتاج والاستهلاك ، الأصل فيها الحرمة، أي المنع؛ وذلك بدليل قوله تعالى في سورة النساء: " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ ۚ وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا(29) وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا ۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (30) إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلًا كَرِيمًا (31) وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۚ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُوا ۖ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ ۚ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِن فَضْلِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (32)"[18].

فلا شك أن حلقة التداول في الدورة الاقتصادية تتألف من الاعمال التجارية من بيع وشراء وتوزيع وسمسرة وغيرها مما لا يقصد منه إلا تحقيق الربح، أي ليس شراء بقصد الاستهلاك أو شراء لمدخلات انتاج. ولا يتسرب إلى الذهن أن الأعمال التجارية تنحصر في البيع والشراء وإنما تشمل الأعمال التجارية بمعناها الواسع الذي يشمل الأعمال التبادلية والترويجية والتخزينية ولا يستثنى منها إلا ما يجعلها جزءاً أو ضرورياً لحلقة من حلقتي الانتاج والاستهلاك.

فالآية السابقة نص على أن الأصل في الأعمال التجارية الحرمة؛ وذلك لكونها جاءت مستثناة من نهي عام تندرج تحته وهو أكل أموال الناس بالباطل. فهي كذلك؛ لأنّ التجارة مرتبطة وجوداً وعدماً بالربح. والربح ما هو إلا زيادة تؤخذ من مال المشتري فوق رأس مال السلعة أو الخدمة. وحري بالبيان أن الآية اشترطت لصحة الاستثناء التراضي الذي يعني رضا البائع ورضا المشتري؛ إذ أنّ كلمة (تراضي) على وزن (تفاعل) فهو لا يتم إلا برضاء الجانبين. فالرضا بهذا المعنى يتحقق عملياً ، من ناحية ، برضا البائع ببذل ما في يده عن طيب نفس لأنّه حصّل رأس ماله وربحاً معقولاً يحقق له الاستمرارية في نشاطه التجاري، ومن ناحية أخرى ، برضا المشتري ببذل ما في يده من ثمن عن طيب نفس لأنه يشعر بأنه ثمن معقول.

ولما كان الاستثناء من ناحية منطقية لا بد من أن يأتي مضيّقاً، تمس الحاجة إلى معرفة كيفية التضييق وآليته.

فمن حيث المنهجية فإن الاستثناءات عادة ما تحف بمجموعة من الشروط التي تخرج العديد من مفردات الأصل (المستثنى منه) ومن ثم لا يتبقي بعد تحقق جميع الشروط إلا الاستثناء. فهذا المنهج هو ذات ما اتبعه الشارع عز وجل في الآية السابقة حيث اختزل كل ما يجعل ممارسة التجارة مستثناة من التحريم في عبارة : " عن تراض منكم " . فهذه العبارة وإن كانت في ذاتها لا يستفاد منها غير اشتراط الرضا المتبادل، إلا أنّ ذلك الرضا المتبادل ينبغي أن يفهم في اطار المباديء الأخرى سواء ما تعلق منها بالرضا أو ما تعلق منها بغيره ؛ لذا فإن الاستقراء يقود إلى أن تترجم تلك العبارة إلى الشروط الآتية:

أولاً : أن يكون النشاط التجاري ضرورياً من ناحية اجتماعية، كأن تكون السلعة أو الخدمة لا يمكن توصيلها إلى المستهلك إلا عن طريق وسيط كتاجر أو وكيل أو موزع.

ثانياً : ألا يُظلم التاجر باضطراره إلى البيع بالخسارة أو بلا ربح أو بربح غير معقول.

ثالثاً : ألا يظلم المشتري باضطراره إلى الشراء بربح غير معقول.

فعلى الرغم من أنّه لا شك في بداهة هذه الشروط الثلاثة إلا أنّه قد يعترض على الشرط الثاني والثالث بأنّ [معقولية الربح] هي أمر غير منضبط، ومن ثم فإن هذه الشروط الثلاثة غامضة، ولأجل ذلك لا يمكن تطبيقها. ولكن، فإنّ الأمر على العكس تماماً ؛ وذلك لأنّ الربح المعقول قد حدد الشارع معياره في الآية 130 من سورة آل عمران بقوله: " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (130)"[19]. ففي هذه الآية بيّن الحق عز وجل حد الربح المعقول بأنّه ضعف الحد الأدني لزكاة المال المبيع . وتوجيه ذلك أن الآية هنا تنهى عن أكل أضعاف من الربا وليس ربا واحداً أو ضعفاً واحداً؛ وذلك لأنّ كلمة ضعف جاءت بصيغة الجمع وأقل الجمع إثنان، على الأرجح، فمفهوم المخالفة، الذي لا خلاف في حجيته في مفهوم العدد، يقتضي أنّ أكل الضعف الواحد من الربا غير منهي عنه. فهذا التفسير على الرغم مما يبدو عليه من غرابة ، إلا أنّه، هو المقصود من قبل الشارع . فالربا الذي يعرّف بأنّه : " عدم تعادل الأداءات المتبادلة في عقود المعاوضة"[20]، قد ورد حكمه في سورة الروم في قوله تعالى: " وَمَا آتَيْتُم مِّن رِّبًا لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِندَ اللَّهِ ۖ وَمَا آتَيْتُم مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ (39 )"[21]. وبيّن الشارع عز وجل حكم الربا في العقود الأخرى غير البيع ، وهي القرض و المقايضة والشركة والعمل والايجار، في مواضع متفرقة، وقد بيّن أن فيها جميعاً يقع الربا مهما كانت نسبة عدم التعادل بين الأداءات المتبادلة، أي أن نسبة التعادل في الأداءات المتبادلة ينبغي أن تكون صفراً في المائة في جميع هذه العقود. أما في عقد البيع والذي بيّن الله عز وجل كيفية وقوع الربا فيه في سورة المطففين بقوله : " وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ (1) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (2) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (3) أَلَا يَظُنُّ أُولَٰئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ (4)"[22]، و[جوّز] أخذ الربح، وبيّن أنه ليس بربا في الآية 275 من سورة البقرة بقوله : " وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ۚ"[23]، والتي نزلت بسبب أولئك النفر الذين جادلوا الرسول صلى الله عليه و سلم في أنّ إباحة الربح في البيع تجعله مثل الزيادة الربوية في غيره من المعاملات ، فلماذا تباح في البيع و تحرم في غيره؟ فجاء الرد الرباني الحكيم عليهم بأنّ ربح البيع كزيادة، والتي تشبه الربا نظركم، هي قد أبيحت على سبيل الاستثناء، ومن ثم فهي قد أحلت بشروطها وليس على الاطلاق[24]. ودليل ذلك هو التعبير (أحل ) و(حرّم) الذي استخدمه الشارع عز وجل، والذي يشعر بأن ما أحلّ كان ، من قبل ، يأخذ حكم االحرمة، وعلى العكس أن ما حرّم، الآن، كان يأخذ حكم الإباحة قبل هذا النص. فعلى ما تقدّم يكون العقد الوحيد من بين تلك العقود التي تتأثر بالربا كوصف مفسد للمعاملة، هو عقد البيع. إذن يكون المفهوم من الآية 130 من سورة آل عمران أن كلمة الربا هناك تعني الزيادة ، أي الزيادة الربحية. فبموجب تلك الآية تكون الزيادة التي يباح أخذها بالتراضي في عقد البيع ينبغي أن تكون أقل من الضعف المسموح به . ولكن السؤال الذي يفرض نفسه في هذا المقام هو : ما هو الضعف المسموح به وإلى أي شيء ينسب وما هو دليل ذلك؟

فالضعف المسموح به هو ضعف زكاة المال المبيع؛ وذلك مأخوذ من قوله تعالى في سورة الحشر الآية (9): " وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ"[25]. وأيضاً قال تعالى في سورة التغابن : " فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنفِقُوا خَيْرًا لِّأَنفُسِكُمْ ۗ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ "[26]. وفي الحديث عن أنس بن مالك، عن رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم قال: " برئ مِنَ الشُّحِّ مَنْ أَدّى الزَّكَاةَ، وَقَرَى الضَّيْفَ، وَأعْطَى في النَّائِبَةِ"[27]. والشح على الرغم من أنه في اللغة هو البخل، إلا أنه على لسان العلماء وفي كل هذه النصوص المتقدمة يعني أكل أموال الناس بالباطل[28]. فبعد أن بينا معنى الشح نستطيع أن نوجه الآن معنى الآية 130 من سورة آل عمران والتي تعني أنّ أخذ الربح في البيع بأكثر من ضعف الحد الآدنى من الزكاة، يكون، عملياً، إعطى زكاة ذلك المال- لو أداها هو كبائع – بيد وأخذها باليد الأخرى؛ إذ لا سبيل لمن أخذ زكاة ذلك المال إن أراد شراءه إلا أن يدفع زيادة على ثمنه ما أخذه من زكاة من بائعة الذي ربح فيه ربحاً غير معقول. وبالمقابل فإذا لم يأخذ البائع الأول إلا ضعف الحد الأدنى من الزكاة، فإنّ السلعة لن يرتفع سعرها على المشتري الذي يريد استهلاكها إلا بالقدر الذي يضمن لهذا البائع الاستمرار في تجارته وهو [نصف الربح] وفي ذات الوقت ساهم هذا البائع، بدفعه للزكاة، في تخفيف سعر السلعة على المحتاجين [بنصف ربحها الآخر] أيضاً.

ومن ناحية أخرى، فكون الشح هو أكل لأموال الناس بالباطل، يصبح الامتناع عن أداء الزكاة بحيلة التربح بطريقة تزيد عن ضعف الحد الأدني لزكاة نفس المال ، هو ليس ربحاً مما أحل الله وإنما محض أكل لأموال الناس بالباطل ومن ثم يحرم بالأصل المذكور في سورة النساء، ولا يدخل في الاستثناء الوارد فيها. فمن ثم ينتصب هذا كوجه آخر للاستدلال بغير طريق الآية 130 من سورة آل عمران بيد أني أراه دليلاً يضاف إليها ليس فقط لتقوية البرهنة على مشكلة البحث التي اتعهدها فقط وإنما دليل على عدم تناقض آيات القرآن وأحكامه أيضاً؛ إذ أن الحكم في مسألة ما يتسق مع أحكام تلك المسألة مهما اختلف سياق ورودها في الكتاب.

فخلاصة الأمر أن الربح المعقول لأي سلعة أو خدمة هو ضعف الحد الأدني من زكاتها ودليله هو آية الربا في سورة آل عمران.

فالشريعة الاسلامية ، بهذه الموازنة قد وضعت اقتصاداً كليّاً مهيكلاً بطريقة علمّية صارمة تمنع أي تفلتات ليس في الاسعار فقط، وإنما تصون، في الوقت ذاته، عملية التوازن الاقتصادي في المجتمع بصورة عامة ومن ثم ستكون النتيجة هي تحقق الرفاه الاجتماعي. ولعل ذلك هو السبب في ورود الآية 39 من سورة الروم مبكراً جداً في مكة المكرمة[29] والتي ينبغي أن ينظر إليها كقاعدة من قواعد الإقتصاد الكلي، خاصة وأن هناك شبه اتفاق بين جمهور العلماء على أن القرآن المكي اختص ببيان الأحكام الأصلية أي الكليّة.

وقد يعترض على الاستدلال بالآية 130 على معيارية الربح في الشريعة الاسلامية بأنّ الآية 130 منسوخة نسخاً تدرجيّاً..فالرد على ذلك قد أوردناه باستفاضة في بحث سابق عن أثر الربا في المعاملات المدنية والتجارية، ولكن حري بنا أن نبيّن هنا أن هذا القول لم يقل به أحد من السلف إلا ابن تيمية وقد قال ذلك في معرض حديثه عن ربا البيوع الذي لم يجد له دليلاً في كتاب الله ، على حد قوله. وفي اعتقادي أننا قد بينّا هنا وفي أبحاث أخرى أن ربا البيع قد أورده الله عز وجل في عدة مواضع في كتابه العزيز أهمها الآيات الأولى من سورة المطففين وقد تقدّم ذكرها. فهذا وذاك يهدم هذا الاعتراض من اساسه ويبين أن الشريعة لا تقاس على غيرها فهي كاملة بل هي الأصل الذي ينبغي أن يقاس غيره عليه.

آثار عدم إلتزام النشاط الإقتصادي بقيود الحلقات الثلاث والأضرار الناجمة عنه بصورة عامة وأثره على التضخم بصورة خاصة:

أولاً: حلقة الانتاج:

الإقتصاد الاسلامي كما أوضحنا بعاليه ينبغي أن ينتج كل ما يوفر له القوة بمعناها الواسع الذي يشمل القوة الإقتصادية و العسكرية و العلمية و التكنولوجية وغيرها مما يعتد به كقوة في عصرنا ويحسب لممتلكه ألف حساب؛ وذلك لأنّ هذه الحلقة على الرغم من أنها مقيّدة بمبدأ عدم الاسراف والتبذير العام، إلا أنّها فيما يتعلق بالإنتاج الحربي فهي مطلقة من كل قيد، كما مر.

فحري بالاقتصاد الاسلامي أن يتجه للدخول في كل مجالات الانتاج الزراعي والحيواني والصناعي والتعديني والتكنلوجي والعلمي لا يقيّده في ذلك إلا شح الامكانات (الاستطاعة). فالإضطلاع بهذه الانشطة، مهما زاد، فلا يمكن أن يؤدى إلى ضرر اقتصادي، بل على العكس، فإن زيادة الانتاج تؤدي الى تحريك كل مواعين الاقتصاد في الدوله الأمر الذي ينعكس إيجاباً على ميزان المدفوعات والميزان التجاري للدولة ومن ثم مستوى رفاه الأفراد. فالأمثلة والشواهد على الإقتصادات التي ركّزت على الانتاج ونجحت أو على الأقل حافظت على اقتصادها من غير تشوهات وأمراض مثل التضخم كثيرة منها اليابان والصين وكوريا الشمالية وكوريا الجنوبية و ماليزيا والبرازيل. وكذلك الأمثلة على الاقتصادات التي توقفت فيها حلقة الانتاج فإنهارت اقتصاداتها أو تشوهت، الصومال السودان اليونان.

فالناظر في اقتصادات الدول الإسلامية يجد أنّ أغلبها يعتمد مصدر الدخل الواحد وتهمل، إلى حد كبير، الاستثمار في مشاريع البنى التحتية وتنمية الموارد البشرية والإنتاج المعرفي. فمعنى ذلك أن حلقة الانتاج في اقتصادات هذه الدول إما معطلة تماماً أو شبه معطلة. كما أنّه من ناحية أخرى أنّ النزعة الاستهلاكية أو ما يسمى بحمى الاستهلاك لدى مواطني هذه الدوّل يزيد من اختلال توازن كل من حلقتي التداول والاستهلاك. فاصبحت المدينة في هذه الدول عبارة عن سوق كبير يعج بالمتاجر في كل صنف من السلع والخدمات والناس يخرجون للتسوق من أجل التسوق .فهذا الوضع لا يجعل اقتصادات هذه الدول فقط مضطربة الحلقات ، بل يجعلها هشة وعرضة للتأثر بالتقلبات الإقتصادية العالمية ومن أهم ذلك ما يعرف بالتضخم العابر للحدود أو التضخم المستورد.

فحتى تتقي هذه الدول كل هذه الشرور والتي في مقدمتها التضخم ، عليها أن تنوع مصادر دخلها القومي وتزيد من استثماراتها في البني التحتية وتزيد من حجم استثماراتها في التعليم والانتاج المعرفي النوعّي. ولما كان هذا النوع من النشاط، الانتاجي ، لا يقوي عليه القطاع الخاص المحلي في هذه الدول، فلا سبيل إلى النهوض بهذا القطاع إلا من خلال تدخل الدولة المباشر ، خاصة في مجال البنى التحتية والتعليم، وفتح الباب للإستثمار الأجنبي بعد تهيئة مناخ الاستثمار بدرجة تجذب المستثمر الأجنبي وتحمي في الوقت ذاته الدولة ومقدراتها الراهنة وكذلك تحفظ حقوق الأجيال القادمة.

فخلاصة القول، أن الانتاج المتنوع المصادر المخطط، بتبصر، المدعوم بخطط تنفيذية بمؤشرات واضحة سيسهم في حماية اقتصاد الدولة من مفاجآت السوق العالمية ويحمي السوق الداخلي من كل أسباب التضخم .

ثانياً : حلقة الاستهلاك:

حلقة الاستهلاك، كما مرّ ، مقيّدة وليست مطلقة ، وقيدها هو ذات مبدأ عدم الاسراف والتبذير ، فحتى نجلي حقيقة إسهام هذه الحلقة في التضخم ينبغي أن ننظر إليها من ناحيتين هما : ناحية الاستهلاك العادي و الاستهلاك الادخاري.

ففيما يتعلق بالاستهلاك العادي ، إذا نظرنا إليه في صورته المجردة، هو حق من حقوق الافراد ؛ إذ ، كما مرّ ، كيف يطلب منهم أن يحافظوا على ضرورة النفس إن لم يخوّلوا حق الوصول الى ما يحفظها وهو استهلاك ما تقوم به؟ ولكن الناظر إلى العادات الاستهلاكية في عالمنا اليوم،بغض النظر عن الجغرافية يجد أن حمى الاستهلاك اصبحت مشتشرية في كل سوق. فالسبب في ذلك يرجع إلى أمرين : أحدهما يتعلق بحرية التداول الذي أدى إلى توسع السوق ومن ثم التفنن في العرض والإغراء . فالداخل إلى السوق قليلاً ما يستطع مقاومة الرغبة العارمة في الشراء التي تجتاحه جراء ذلك الأمر الذي يؤدي إلى انفاق الأفراد مدخراتهم في أشياء لا يمكن تصنيفها حتى من قبيل حاجاتهم التحسينية أو الكمالية بل زائدة عن ذلك ، ففي الغالب من الأحوال سيكون مصيرها بعد الشراء إما الرمي في المزابل أو تكديسها في مخازن قد تضيق بها بعد حين. فالمحصلة النهائية لهذا الأمر ، فإن كل مدخرات الأفراد الزائدة بدلاً من أن تذهب إلى النظام الإدخاري في الدولة (النظام المصرفي ، بيت مال المسلمين ، بنوك الادخار ...أياً كان المسمى) - فمن ثم ينعكس أثر ذلك إيجاباً على الاقتصاد الكلي للدولة – تذهب، بكل أسف، هذه المدخرات التي أهلكت من البنى التحتية للدولة نسبة لا يستهان بها ، إلى المزابل ومن ثم ستكون خصماً على البيئة التي قد يكلّف إصحاحها بعد فترة من الزمن أضعاف ما أنفق من قبل الأفراد لشرائها في المقام الأول..

أما الأمر الثاني المتسبب في حمى الاستهلاك، فهو الدعاية والإعلان التي اصبحت علماً له أصوله وفنونه. فإذا كان التفنن في العرض والإغراء الذي يمارسه التجار ، لا يؤثر في المستهلك إلا إذا دخل السوق فإن الدعاية والاعلان فهي مع المستهلك في كل مكان. والاخطر في الدعاية والاعلان أنّها أصبحت تستخدم فيها الاساليب النفسية وأساليب البرمجة العصبية لإغراء الناس واحتناكهم وسوقهم إلى السوق زمراً. والنتيجة هنا وإن كان هي ذات النتيجة في المسبب الأول، إلا أنّ نتائج هذا المسبب الثاني كارثية؛ إذ كثيراً ما تكون السلع المعلن عنها سلع منتجة خارج الحدود ومواصفاتها أقل كثيراً من نظيراتها أو بدائلها المحلية. ففي هذه الحالة يكون المنتج المستورد الذي لم يستعمل في الداخل قد أضر بالبيئة بتحويلها إلى مكب نفايات عالمي وفوق ذلك أدى إلى خروج جزء من الناتج القومي إلى تلك الدولة المصدّرة لتلك السلعة.

لكل هذا فإنّ الاستهلاك العادي يؤدي إلى تبديد الناتج القومي ، هذا بافتراض أنّ الدوّلة منتجة ومصادر انتاجها متنوعة. وأيضاً يضعف الاستهلاك من قدرة الجهاز الإدخاري للدولة (المصرفي) بتقليل حجم الودائع ، ومن ثم عدم قدرة البنوك المركزية من رسم سياسات نقدية واضحة ومستقرة[30]. بعبارة أخرى ، سيكون النظام المصرفي في الدولة دوماً في حاجة إلى الاستدانة من البنك المركزي الذي قد لا يستطيع ، تغطية هذا الطلب إلا بضخ كمية جديدة من النقود الأمر يعدّه الكثيرون سبباً من أسباب التضخم[31]، بيد أننا نحسبه من نتائجه ولعل ذلك واضح من خلال التحليل السابق؛ إذ لولا الاستهلاك غير المرشد، لغطت ودائع الأفراد ما تقترضه البنوك من البنك المركزي.

أما بالنسبة للإستهلاك الادخاري، فهو في نظري صورة من صور التداول وليس صورة من صور الاستهلاك؛ إذ يقصد بالاستهلاك الإدخاري هو شراء السلع لاستخدامها ليس في الحال وإنما في المستقبل.فهو، بعبارة أخرى، صورة من صور التخزين الاحتكاري؛ لذا فهو عمل تجاري تداولي يلجأ إليه التجار في زمن الوفرة وذلك بشراء السلع باسعار زهيدة ، ثم بيعها في زمن الندرة بضعف سعرها مثلاً إن لم يكن أكثر. فهذا النوع هو احتكار بكل ما تحمل الكلمة من معنى. فهو بذلك المفهوم عمل إقتصادي غير مرغوب فيه في كل الانظمة الإقتصادية بما في ذلك النظام الرأسمالي الذي ينادي بالحرية الإقتصادية. فهو في الشريعة الاسلامية محرّم بصورة أوضح إذ جاء في الحديث الشريف: "من احتكر فهو خاطيء"[32] وقوله صلى الله عليه وسلم: " من احتكر على المسلمين طعاماً ضربه الله بالجذام والافلاس"[33]. وقوله صلى الله عليه وسلم: " من دخل في شيء من اسعار المسلمين ليغليه عليهم كان حقاً على الله أن يقعدة بعظم من النار يوم القيامة"[34].

فالاستهلاك عادياً كان أو ادخارياً يؤدي إلى التضخم إن لم تراعي فيه الضوابط المذكورة أعلاه، ولكن الصعوبة في حلقة الاستهلاك التي تواجه المشرع ومن ثم تقف حائلاً دون سن قوانين تضبط الاستهلاك هي أنّ الاستهلاك أمر لا يمكن مراقبته وضبطه من قبل السلطات العامة. ولكن مع ذلك يمكن أن يضبط بطريقين تشريعيين، أحدهما يستهدف مباشرة حلقة الاستهلاك، والآخر غير مباشر لأنّه يستهدف حلقة التداول: فأما المباشر الذي يستهدف حلقة الاستهلاك فهو حظر وسائل الدعاية والإعلان خاصة ما يبث منها عن طريق وسائل الإعلام من راديو وتلفزيون وشبكات اتصال وغيرها مما يتعدى نطاق السوق التقليدي للسلعة. أما الطريق الآخر الخاص بحلقة التداول فسنتناوله عند تعرضنا لحلقة التداول حالاً .

ثالثاً : حلقة التداول:

يقصد بالتداول ، كما مر ، مجموعة العمليات التجارية التي تمر بها السلعة منذ خروجها منتجها إلى لحظة وصولها إلى مستهلكها. فحلقة التداول بهذا المفهوم، قد تكون عادية، كأن يسلم المنتج السلعة إلى وكيل ليبيعها للمستهلك مباشرة أو يشتري السلعة تاجر جملة من المنتج ويوزعها إلى تجار التجزئة ليقوم المتأخرين ببيعها إلى المستهلين مباشرة. ففي كل هذه الأمثلة لا يطلب من كل المتداولين إلا التقيد بقيدين هما : الأول ، أن يتقيدوا بعدم الاسراف والتبذير ، وهو متصوّر إن باع المنتج أو التاجر إلى من يحتكر، أو إلى من ينوي المضاربة فيما اشترى. الثاني ، أن يتوخى الربح المعقول سواء من قبل المنتج أو من قبل البائع للمستهلك. قد تفلت في بعض الأحيان حلقة التداول عن مسارها العادي ومن ثم يحصل تضاعف للحلقات الوسيطة فيما بين حلقة الانتاج وحلقة الاستهلاك؛ وذلك كأن يبيع الوكيل لتاجر جملة ليبيع هذا الأخير لتاجر جملة ثاني وهذا يبيع لتاجر جملة ثالث وكل منهما يقوم بوضع ربحه. فإذا حدث ذلك فإن سعر السلعة حتماً سيتضاعف بدرجة تؤدي إلى رفع تكلفة الانتاج كما يعبر عنه بعض فقهاء الاقتصاد التقليدي كسبب من أسباب التضخم[35]، بيد أننا نعتبره نتيجة من نتائج عدم توازن حلقة التداول الذي هو السبب الحقيقي للتضخم.

فتحقيق التوازن في حلقة التداول أمر يسير يمكن أن يتحقق بثلاثة طرق أولها تشريعي وثانيها تنظيمي وثالثها إداري وفيما يلي توضيح ذلك :

أولاً : التشريع : يقصد بالتشريع هنا وضع القوانين التي تبين أنّ العمل التجاري لا يجوز القيام به إلا بترخيص سواء ما تعلق من هذا الأمر بتسويق المنتجات أو توزيعها أو تعلق بالأعمال المساعدة في كليهما. فهذا الاطار القانوني، حتى يحقق التوازن لحلقة التداول، ينبغي أن يشمل آليات التسعير ومستوى الشفافية و مسك الدفاتر وغيرها مما يجعل النشاط التجاري قابل للتدقيق. هذا فضلاً خطط التسويق والتوزيع المجازة وآليات إجازتها والأوراق والمستندات المعتمدة في مثل هذه الإجراءات بما في ذلك العقود النموذجية وكيفية اعتمادها.

ثانياً : اضطلاع الجهات الإدارية ذات الاختصاص بوضع اللوائح التنفيذية للتشريعات الصادرة من السلطة التشريعية. فتتضمن تلك اللوائح من بين أمور أخرى، منح التراخيص ومراقبة الجودة والأسعار والصحة والبيئة وغيرها من الاشتراطات القانونية وحفظ السجلات الخاصة بهذا النشاط، ووضع المؤشرات ونقاط المقارنة المرجعية.

ثالثاً : اضطلاع جهات التنظيم بأعمال الرقابة الميدانية والضبط ، أي تطبيق اللوائح التنظيمة على كل الانشطة الإنتاجية والتسويقية ومراقبة مؤشرات الأداء.

ضبط حلقة التداول في الاقتصاد بهذه الصورة يعني وضع كل حلقات الاقتصاد تحت السيطرة ؛ إذ أنها تؤثر مباشرة في الانتاج وواضح أثرها فيما يتعلق بالاستهلاك.

أهم الآثار المترتبة على هيكلة الاقتصاد بطريقة الحلقات المتوازنة:

فيما يلي نتناول أهم الآثار الهيكلية التي تترتب على تطبيق طريقة الحلقات المتوازنة :

الأثر الأول: الخصخصة أصبحت ملمحاً لازماً من ملامح الاقتصاد الرأسمالي الحر، كما أن جانباً لا يستهان به من مفكري الاقتصاد الرأسمالي يرون فيها علاجاً للركود الاقتصادي ومن ثم التضخم[36]. فالحرية الاقتصادية المطلقة مبدأ يتناقض وفكرة الحلقات المتوازنة التي تمثل جوهر الاقتصاد الاسلامي، ولا يعني ذلك أنّ الخصخصة بصورة عامة تتناقض مع الإقتصاد الاسلامي ، ولكن سيكون مسموحاً بها إن لم يكن فيها تمدّد لحلقة التداول وهي ستكون كذلك في قطاع الخدمات . أما إذا كانت الخصخصة ستقتصر على أنشطة حلقة الانتاج أو أنشطة التداول السلعي، فحالئذٍ لا تتعارض مع فكرة الحلقات المتوازنة. فهناك العديد من الأنشطة التي لا يمكن أن توكل إلى النشاط الخاص الذي لا يستهدف إلا تحقيق الربح ، ولا يلام على ذلك ، ومن تلك الأنشطة مشاريع البنى التحتية و خدمات التعليم والصحة والمشاريع الدفاعية والصناعات الحربية وما شاكلها. فالقطاع الخاص يعمل جنباً إلى جنب القطاع العام في كل حلقات الإقتصاد الثلاث طبقاً للشروط التي تحددها التشريعات ويخضع للتنظيم والرقابة الحكومية . فالدول التي تعاني من التضخم، أيّاً كان نوعه، لا تملك من الموارد المالية ما يكفيها لاستكمال بنيتها التحتية و في ذات الوقت القيام ببناء المشروعات الإنتاجية الكبيرة أو المتوسطة؛ فلذلك لابد لها من جذب استثمارات القطاع الخاص الداخلي والخارجي بالضوابط التي تكفل لها الحفاظ على سيادتها وخروج اقتصادها من حالة الركود والتضخم، وهو ينعم ببنية تحتية حاضنة ومفرخة للإبتكار وبيئة أنتاجية متنوعة المصادر. فحينئذٍ، فقط، ستكون الدولة قد استهدفت مكمن داء التضخم. وعلى العكس من ذلك، فإنّ الخصخصة بمعنى تخلي الدولة، كليّة، عن المشاريع و المؤسسات غير المربحة للقطاع الخاص فقد أثبتت التجارب في العديد من الدول أنّها لا تؤدي إلا إلى تدني الخدمات والمنتجات التي تقدّمها هذه المشاريع والمؤسسات بعد خصخصتها إن لم يكن توقفها وخروجها من الإقتصاد كليّة.

فخلاصة القول، أنّ إدارة الاقتصاد في الدول الراكدة أو الدول ذات الاقتصاد المستقر ، كما تقدّم، لا تنطلق نحو أهدافها بسلام ما لم يسبقها تخطيط استراتيجي سليم. فمتطلبات استراتيجية التخطيط تقتضي توفر إدارة راشدة تحكمها قوانين تطبق وتنفذ بكل شفافية ومسؤولية وتكاملية بين كل المؤسسات التي تدير العملية الإقتصادية.

الأثر الثاني: تطبيق فكرة الحلقات المتوازنة، هو تطبيق لفكرة التقشف الاقتصادي فمن ثم يترتب عليه مباشرة توقف استيراد السلع الاستهلاكية غير الضرورية وكل السلع الرأسمالية خاصة تلك التي تمول من احتياطي النقد الأجنبي . فهذا يؤدي، من ناحية ، إلى غلق الباب على ما يعرف بالتضخم المستورد. ومن ناحية أخرى ، يؤدي إلى المحافظة على الاحتياطات الوطنية من النقد الأجنبي الأمر الذي يوفر مرونة أكبر للبنك المركزي في إدارة الكتلة النقدية مما يؤدي إلى استقرار سعر الصرف ووقف تدهور العملة المحلية في مقابلة العملات الأجنبية[37].

وحري بالبيان ، أن هذا الأثر التقشفي لن يتحقق إن لم تتوفر الدولة على جهاز جمارك يعمل كجهاز اقتصادي في تكاملية تشريعية وإدارية وتنظيمية تامة مع بقية أجهزة القطاع الاقتصادي في الدولة. فالمؤسف أنّ في الكثير من الدول التي تعاني من التضخم ، يدخل إليها التضخم من بوابة الجمارك التي تعمل كمجرد مؤسسة جباية ضرائبية وليس كبوابة لحماية النظام الاقتصادي للدولة. فالدولة التي ترغب في إدارة اقتصاد مستدام ، ينبغي عليها أن تبني سياسة جمركية تجعل من الجمارك خط الدفاع الأول للسياسات الاقتصادية للدولة وأداة الحماية الأهم للإقتصاد الوطني والحلقة الأولى لضبط وإدارة كل من النشاط الإنتاجي والتداولي.كما يجب أن تنأى الدول بنفسها عن التفكير في أن تجعل من الجمارك أداة جباية ورافد من روافد الخزينة العامة للدولة؛ فذلك يمثل واحداً من أهم العوامل المفسدة لمناخ الاستثمار الأجنبي على.

الأثر الثالث: تنظيم ممارسة الاعمال التجارية سيؤدي إلى تقلص حجم السوق. وقد يرى البعض أن ذلك الأمر سيكون من الصعوبة بمكان تطبيقه، بل أن العديد من الإقتصاديين ينادي بتحرير السوق بمعنى السماح للأفراد بالعمل الحر للقضاء على البطالة التي تمثل سبباً، في نظرهم ، من أسباب التضخم. فعلى العكس من ذلك ، فإنّ تطبيق طريقة الحلقات المتوازنة يؤدي بتلقائية إلى القضاء على البطالة والبطالة المقنعة التي نراها نتيجة للتضخم وليس سبباً له ؛ إذ البطالة هي أثر مباشر لاختلال حلقة الانتاج.

فتنظيم ممارسة الأعمال التجارية سيؤتي أكله إن تم على مرحلتين متزامنتين، كما يلي:.

المرحلة الأولى: إنشاء البنية التحتية وقيام المشروعات الإنتاجية سيؤدي إلى فتح العديد من فرص العمل الذي إن لم يكن الآن مجدياً فسيكون في المستقبل القريب مجدياً للسواد الأعظم ممن يمارسون هذه الأنشطة التجارية الطفيلية. فمن ثم ستهجر نسبة كبيرة من الافراد حلقة التداول في اتجاه حلقة الانتاج.

المرحلة الثانية: مباشرة الأجهزة الإقتصادية للمتطلبات القانونية الخاصة بالتدقيق المستندي والاشتراطات الاخرى المتعلقة بالربح ومواقع الاسواق واماكن البيع والانشطة المصاحبة الأخرى من سمسرة ودعاية وإعلان. هذه الإجراءات ستجعل حلقة التداول بيئة طاردة للكثير ممن يملكون رؤوس أموال متوسطة أو صغيرة . فبقاء هؤلاء في حلقة التداول سيؤدي إلى تآكل رؤوس أموالهم في وقت تتوفر فيه العديد من الفرص الانتاجية المدعومة ببنية تحتية قوية تفتح ذراعيها لاستقبالهم ؛ لذا فسيتجه السواد الأعظم من فائض التجار إلى العمل الانتاجي ويقتصر السوق على التجار القادرين على استدامة نشاطهم الشفاف بذلك الربح المعقول. فهنا يكون الاقتصاد قد نجح تلقائياً في تقصير الظل التداولي المتطاول والمتمدد وفي الوقت ذاته يكون الاقتصاد قد حصّن نفسه من عودة النشاط الطفيلي والعارض؛ لأنّه، أي النشاط الطفيلي، لن يقوى على المنافسة في سوق لا مضاربة فيه ولا يملك المتعاملون فيه المناورة في أسعار السلع والخدمات التي تحكمها آلية لا تسمح بزيادتها عن حدود معينة تضبطها أوراق تتحرك ضمن دورة مستندية واضحة.

ففي ذات الوقت الذي تثمر فيه نتائج المرحلة الأولى من ضبط الأعمال التجارية ، والتي يتوقع أن تكون قد كلفت الإقتصاد الكثير من الموارد أو ألجأته إلى الاقتراض أياً كان نوعه، تثمر أيضاً المرحلة الثانية المتزامنة معها مباشرة في تقليل الاستهلاك غير العادي للسلع من قبل الأفراد الأمر الذي يزيد من فائض المستهلك ومن ثم يزيد من مستوى الرفاه داخل الجماعة. كما تؤدي أيضاً المرحلة الثانية إلى استقرار الأسعار لفترات مقعولة بما في ذلك سعر صرف العملة المحلية الأمر الذي تعده العديد من الدراسات من بين أسباب التضخم[38]، بيد أنه لم يكن كذلك، في رأينا، بل هو ، وكما يظهر من التحليل أعلاه، أثر من آثار التضخم يزول بزواله تماماً كما يظهر لنا من خلال التحليل.

الأثر الرابع: ستكون السياسة الضرييبية أو الزكوية سياسة واضحة من حيث الجباية التوجيه الانفاقي وتستهدف إشراك الأفراد في العبء العام الأمر الذي ينعكس على مستوى جبايتها وتقليل نسب التهرب منها. فهذا الأثر سينعكس إيجاباً على المحافظة على البنى التحتية وتحسين الخدمات وغيرها.

الأثر الخامس: الأجور والرواتب، في القطاعين العام والخاص ، ستكون أكثر عدالة وكفاية، خاصة بعد تقلص السوق الذي كان يبتلع أي زيادات تطرأ عليها في ظل التضخم. فعدالة الأجور والرواتب سيمكّن الدولة والقطاع الخاص من إدارتها لتحسين الأداء الوظيفي للأفراد، ودفعهم إلى التطور الوظيفي المستمر، الأمر الذي ينعكس إيجاباً على الاقتصاد الكلي.

الخاتمة

توصلت الورقة إلى العديد من النتائج التي يمكن تطبيقها على كل أنواع المجتمعات بغض النظر عن الأصول العقدية التي تنتمي إليها تلك الجماعة. ففي خاتمة هذه الورقة سنقتصر على ذكر أهم تلك النتائج التي نأمل تفتح باباً أبحاثاً علمية أعمق تبرز حكمة القرآن الكريم بصفة عامة وحكمة التنظيم الاسلامي للإقتصاد، فالنتائج هي:

أولاً : للتضخم سبب وحيد هو اختلال التوازن في حلقات الاقتصاد الثلاث الإنتاج والاستهلاك والتداول.

ثانياً: إعادة التوازن لحلقات الإقتصاد الثلاث يتم بتقييدها بما قيدها الله سبحانه وتعالى به وهو مبدأ عدم الاسراف والتبذير بصفة عامة وتقييد حلقة التداول، على وجه الخصوص، بحالة الضرورة والربح المعقول الذي لا يجاوز ضعف الحد الأدنى من زكاة المال المتداول.

ثالثاً: التدخل التشريعي الآمر لتقييد حلقة التداول يجعلها طاردة للنشاط الاقتصادي الطفيلي خاصة في ظل لوائح تنظيمية واضحة وجهاز إداري يسيطر على الاقتصاد في حلقاته الثلاث.

رابعاً: تحقق التوازن في حلقات الاقتصاد الثلاث يؤدي تلقائياً إلى فرض سياسات تقشفية توفر على الدولة الكثير من الموارد التي يمكن أن تستثمر في انشاء البنى التحتية وبناء المشروعات الانتاجية.

خامساً: توازن حلقات الاقتصاد يؤدي إلى تقلص حجم السوق والقضاء على مسببات الاستهلاك غير الضروري ومن ثم يؤدي عدالة الأجور والمرتبات التي ينعكس مباشرة وايجاباً على رفاه الجماعة كلها.

هذه النتائج وغيرها مما اشتملت عليه ثنايا الورقة هي جهد المقل فإن أصبت فيها فمن الله وإن اخطأت فمن نفسي والشيطان، وأسأل الله أن يغفر لي ولوالدي ويرحمنا ...

د.عباس محمد طه الصديق..


المراجع

1. billah, M. M. (2014). The Prohibition of Ribā and the Use of Ḥiyāl by Islamic Banks to Overcome the Prohibition. Arab Law Quarterly 28 (4), 392-408.

2. إبن كثير, ا. ب. (2002). تفسير القرآن العظيم. دار طيبة.

3. آل عمران, س. (n.d.). القرآن الكريم.

4. الإسراء, س. (n.d.). القرآن الكريم . القرآن الكريم .

5. الأعراف, س. (n.d.). القرأن الكريم .

6. الأنفال, س. (n.d.). القرآن الكريم .

7. البسام, خ. ع. ( 1999 م). المصادر الداخلية والخارجية للتضخم. مجلة جامعة الملك عبد العزيز، الاقتصاد والإدارة, 3-30.

8. البقرة, س. (n.d.). القرآن الكريم.

9. البيهقي. (n.d.). شعب الإيمان.

10. التغابن, س. (n.d.). القرآن الكريم.

11. الحشر, س. (n.d.). القرآن الكريم.

12. الروم, س. (n.d.). القرآن الكريم .

13. الشوكاني, م. ب. (n.d.). نيل الأوطار. دار الحديث.

14. الصمادي, ع. (2003). الخصخصة ودورها في تقليص القطاع العام في ميزان الاسلام. جرش للبحوث والدراسات, 8(1), 27.

15. الطبري, م. ب. (n.d.). تفسير الطبري. دار المعارف.

16. العسقلاني, أ. ب. (1986). فتح الباري شرح صحيح البخاري (Vol. جزء 3). دار الريان للتراث.

17. العسقلاني, أ. ب. (1986). فتح الباري شرح صحيح البخاري. دار الريان للتراث.

18. العمر, ح. (1416). تأثير عرض النقد وسعر الصرف على التضخم في الاقتصاد الكويتي. مجلة جامعة الملك سعود, 3-30.

19. المطففين, س. (n.d.). القرآن الكريم.

20. المقدسي, م. ب. (n.d.). الآداب الشرعية والمنح المرعية (Vol. ج3). عالم الكتب.

21. النساء, س. (n.d.). القرآن الكريم .

22. النووي, ي. ب. (1996). شرح النووي على مسلم . دار الخير.

23. الواحدي, أ. ا. (2000). أسباب النزول. دار الكتب العلمية.

24. زهير, ا. أ. (1985). المذكرة في أصول الفقه . الكتاب الجامعي الحديث.

25. طه, ع. م. (2013). أثر الربا في المعاملات المدنية والتجارية. الخرطوم: دار النيلين للنشر.

26. هاني, ح. ب. (2003). اقتصاديات النقود والبنوك. در الكندي.

الهوامش: [1] زهير, الشيخ أبو النور(1985)، المذكرة في أصول الفقه، الكتاب الجامعي الحديث، ص 125. [2] البسام، خالد عبد الرحمن (1999)، المصادر الداخلية والخارجية للتضخم، مجلة جامعة الملك عبد العزيز، الاقتصاد والإدارة، الصفحات 3-30. [3] شبكة، خالد أحمد سليمان (2008)، التضخم وأثره على الدين، دار الفكر الجامعي،الاسكندرية، ص 12. [4] المرجع السابق ذات الموضع؛ أنظر كذلك: رجب ، وضاح نجيب(2011)، التضخم والكساد الاسباب والحلول، دار النفائس للنشر والتوزيع، ص46. [5] المرجع السابق، ص 58. [6] أحمد، عبد الرحمن يسري، الربط القياسي للأجور بالمستوى العام للأسعار، منشورات مجمع الفقه الاسلامي بجدة، الدورة االثامنة1415/1994. [7] سليمان ، مجدي عبد الفتاح، علاج التضخم الركودي الاقتصادي في الاسلام، دار غريب للطباعة القاهرة ، ص35. [8] شبكة ، خالد أحمد سليمان، المرجع السابق، ص14. [9] العمر، حسين، تأثير عرض النقد وسعر الصرف على التضخم في الاقتصاد الكويتي، مجلة جامعة الملك سعود 1416، الصفحات 3-30. [10] billah, M. M. (2014). The Prohibition of Ribā and the Use of Ḥiyāl by Islamic Banks to Overcome the Prohibition. Arab Law Quarterly 28 (4), 392-408. [11] البسام, خالد عبد الرحمن، المرجع السابق، ذات الموضع. [12] سورة الإسراء، آية 27. [13] سورة الأعراف، آية 31. [14] سورة الأعراف، آيات 32-33. [15] العسقلاني, أحمد بن على بن حجر(1986)، فتح الباري شرح صحيح البخاري، دار الريان للتراث، حديث رقم 5446، ص 264. [16] سورة الأنفال، آية 60. [17] أنظر هامش رقم (4). [18] سورة النساء ، الآيات من 29-32. [19] سورة آل عمران، آية 130. [20] طه ، عباس محمد (2013)، أثر الربا في المعاملات المدنية والتجارية، الخرطوم دار النيلين للنشر، ص6. [21] سورة الروم ، آية 39. [22] سورة المطففين ، الآيات 1-4. [23] سورة البقرة ، آية 275. [24] إبن كثير, اسماعيل بن عمر(2002)، تفسير القرآن العظيم، دار طيبة . [25] سورة الحشر، آية 9. [26] سورة التغابن، آية 16. [27] المقدسي, محمد بن مفلح بن محمد، الآداب الشرعية والمنح المرعية،ج3، عالم الكتب، ص 303؛ البيهقي ، شعب الإيمان ، حديث مرفوع رقم 10114. [28] الطبري ، محمد بن جرير، تفسير الطبري، دار المعارف ، ص285. [29] الواحدي, أبو الحسن على بن أحمد بن محمد(2000)، أسباب النزول، دار الكتب العلمية ، ص 664. [30] هاني, حسين بن (2003)، اقتصادايات النقود والبنوك ، دار الكندي، ص206. [31] أنظر هامش رقم (5). [32] النووي, يحي بن شرف أبو زكريا (1996)، شرح النووي على مسلم، دار الخير، حديث رقم 1605. [33] العسقلاني, أحمد بن علي بن حجر(1986)، فتح الباري شرح صحيح البخاري، دار الريان للتراث، ص408. (حديث مرفوع). [34] الشوكاني, محمد بن علي، نيل الأوطار، دار الحديث، ص 261، حديث 2281. [35] أنظر هامش رقم (7). [36] الصمادي ، عدنان (2003)، الخصخصة ودورها في تقليص القطاع العام في ميزان الاسلام، جرش للدراسات والبحوث، المجلد الثامن ، العدد 1، ص 27. [37] رجب، وضاح نجيب، المرجع السابق، ص95 وما بعدها. [38] المرجع السابق ، ذات الموضع.


7 views0 comments

Recent Posts

See All

الفقاعة العملاقة التي نعيش فيها The universe is a big bubble

الفقاعة العملاقة التي نعيش فيها د. عباس محمد طه الصديق تكمن أهمية هذا الموضوع في أنّه أصبح محل اهتمام متزايد من المهتمين بالعلوم التطبيقية كالفيزياء. ذلك الاهتمام المتزايد أدى إلى أن تتداخل المجالات ح

 

Subscribe Form

0096871552118

  • Facebook
  • Twitter
  • LinkedIn

©2020 by Dr Abbas El Siddik. Proudly created with Wix.com